أوروبا وديبلوماسية فهم الخليج

عبدالعزيز محمد العنجري – السياسة الكويتية:
لوقت طويل، ارتبط الحضور الأوروبي في الخليج بالعلاقات الرسمية، وبملفات السياسة والتجارة والطاقة. غير أن هذا الحضور بدأ يتسع تدريجياً نحو مساحة أكثر عمقا: فهم المجتمعات الخليجية من الداخل. فالخليج اليوم لم يعد يُقرأ من خلال النفط، أو الشراكات الاقتصادية فقط. هناك مجتمعات شابة، وأسئلة جديدة، وتحولات ثقافية واجتماعية متسارعة، وفوارق مهمة بين التجارب الخليجية، تجعل النظر إلى الخليج ككتلة واحدة قراءة غير كافية. من هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”ديبلوماسية فهم الخليج”؛ أي الإصغاء إلى المجتمع، لا الاكتفاء بالتواصل مع الحكومات، وفهم التحولات الهادئة، لا الاكتفاء بمتابعة العناوين الكبرى. وفي هذا السياق، جاءت دعوتي للمشاركة كمتحدث في حوار مغلق استضافته بعثة الاتحاد الأوروبي لدى دولة الكويت يوم الأربعاء الماضي، بحضور 16 سفيراً أوروبياً. وقد أتاح اللقاء تبادلاً مهماً لوجهات النظر حول الكويت والخليج، من زاوية تتجاوز السياسة المباشرة إلى تحولات المجتمع، وأسئلة الشباب، وتبدّل صورة الخليج في العالم. ولم تكن أهمية اللقاء في طابعه البروتوكولي، بقدر ما كانت في دلالته الأعمق: ان بناء الثقة لا يتم عبر الاتفاقيات وحدها، بل عبر الحوار الهادئ والمباشر. ومن الإنصاف الإشارة إلى أن هذا المسار لم يبدأ من فراغ؛ فقد أسّس السفير السابق للاتحاد الأوروبي لدى دولة الكويت، كريستيان تيودور، حضوراً أوروبياً نشطاً ومختلفاً، رغم أن فترة عمله تزامنت مع ظروف جائحة “كورونا” وما فرضته من قيود حدّت من اتساع الحركة الديبلوماسية والثقافية. واليوم، تبدو السفيرة آن كويستينن ماضية في البناء على ذلك الحضور وتوسيعه، عبر مساحة أكثر انفتاحاً على الحوار، والثقافة، وفهم المجتمع. وبما أنّ الكويت تملك إرثاً ديبلوماسياً متوازناً، ومساحة، اجتماعية وسياسية، اعتادت الحوار الهادئ، وقدرة تاريخية على بناء الجسور دون ضجيج، فإنها تبدو مؤهلة لأن تكون منصة هادئة ومؤثرة لتعميق الفهم المتبادل بين الخليج وأوروبا، في لحظة تبدو فيها العلاقات الخليجية–الأوروبية أمام فرصة أكثر نضجاً واتساعاً.




