رأي

قيود ترمب على التصويت بالبريد.. حين يحسم التوقيت قرار المحكمة العليا

عوض النقر بابكر محمد – الجزيرة:

التوقيت الحاسم: هكذا كبح القضاء قرارات البيت الأبيض
في مساء الاثنين 14 سبتمبر/أيلول 2026، وبينما كانت ملايين البطاقات الانتخابية الأمريكية تطبع وترسل بالبريد إلى ناخبين تتوزع ولاياتهم من ألاباما إلى ويسكونسن، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية قرارا مقتضبا من ثلاث جمل فقط. رفضت المحكمة طلب إدارة ترامب تعليق حكم قضائي يمنع فرض قيود جديدة وصارمة على التصويت بالبريد.

لم تحسم المحكمة القضية من حيث الجوهر، ولم تصدر رأيا مطولا يشرح موقفها القانوني الكامل، ومع ذلك فإن هذا القرار المقتضب يمثل أحد أكثر الأحداث دلالة في المسار المتوتر بين البيت الأبيض ومؤسسات الدولة الأمريكية هذا العام.

المشكلة ليست في فكرة القيود ذاتها من حيث المبدأ القانوني، بل في توقيت فرضها؛ على بعد أسابيع من انتخابات تحدد من سيسيطر على الكونغرس

جذور الأزمة وتفاصيلها
بدأت القصة في مارس/آذار الماضي، حين وقع الرئيس الأمريكي أمرا تنفيذيا يطالب هيئة البريد الفيدرالية بعدم تسليم بطاقات التصويت بالبريد إلا لمن ورد اسمه في قائمة يعدها الاتحاد الفيدرالي بالتنسيق مع أجهزة الهجرة والضمان الاجتماعي. الهدف المعلن كان منع «الأجانب» من التصويت، رغم أن الإحصاءات الرسمية تؤكد أن هذه الظاهرة نادرة الحدوث إلى درجة الاستثناء.

طعنت مجموعة من الولايات التي يحكمها الديمقراطيون، إلى جانب منظمات مدنية، في الأمر أمام قضاء فيدرالي في بوسطن، والذي أوقف تطبيقه، وأيدت محكمة استئناف هذا الوقف الأسبوع الماضي. وحين لجأت الإدارة إلى المحكمة العليا لتعليق الحكم مؤقتا، جاء الرفض من أغلبية غير متوقعة: أربعة من القضاة الستة المحافظين، بينهم رئيس المحكمة جون روبرتس، انضموا إلى القضاة التقدميين الثلاثة في رفض الطلب.

توقيت الإجراء أم جوهره؟
ما يستحق التوقف عنده ليس فقط النتيجة، بل طبيعة الحجة القانونية التي حسمت الموقف. القاضي المحافظ بريت كافانو، الذي عينه ترامب نفسه، وافق على الرفض لا لأن القاعدة الجديدة غير دستورية بالضرورة، بل لأن تطبيقها في هذه الانتخابات تحديدا سيكون «تعسفيا»، إذ لا يملك المسؤولون المحليون عن الانتخابات الوقت الكافي لتنفيذها قبل موعد الاقتراع.

إعلان
بعبارة أخرى، المشكلة ليست في فكرة القيود ذاتها من حيث المبدأ القانوني، بل في توقيت فرضها؛ على بعد أسابيع من انتخابات تحدد من سيسيطر على الكونغرس. حتى بعض المسؤولين الجمهوريين عن الانتخابات في ولايات تعتمد بشكل كبير على التصويت بالبريد، من بينها يوتا المحافظة، وقعوا مذكرة تحذر من أن التطبيق المتسرع للقاعدة سيؤدي «على الأرجح» إلى فوضى وأخطاء وارتباك يطال الناخبين والمسؤولين على حد سواء.

نحو ثلث الناخبين الأمريكيين اعتمدوا التصويت بالبريد في انتخابات عام 2024، وفق منظمة «ستيتس يونايتد»، ما يجعل أي تعديل مفاجئ في آلياته أقرب إلى تغيير قواعد اللعبة في اللحظات الأخيرة منه إلى إصلاح إداري روتيني

حوكمة المؤسسات في مواجهة المفاجآت
هنا يكمن الدرس الأعمق؛ فهذه ليست معركة بين معسكرين حزبيين متقابلين بقدر ما هي مواجهة بين منطق الحوكمة المؤسسية ومنطق المفاجأة السياسية. فالرئيس الذي ما زال يرجع خسارته الانتخابية عام 2020 إلى تصويت بالبريد يزعم أنه كان مزورا، رغم تصويته هو شخصيا بهذه الطريقة، لم يحاول إلغاء هذا الحق عبر تشريع يمر بالكونغرس، بل عبر أمر تنفيذي يفرض قواعد فنية على هيئة بريدية تابعة للسلطة التنفيذية. إنه مسار أسرع، لكنه أيضا أكثر هشاشة أمام أي طعن قضائي، لأن الدستور الأمريكي يمنح صلاحية تنظيم الانتخابات للكونغرس والولايات، لا للرئيس منفردا.

والمفارقة أن نحو ثلث الناخبين الأمريكيين اعتمدوا التصويت بالبريد في انتخابات عام 2024، وفق منظمة «ستيتس يونايتد»، ما يجعل أي تعديل مفاجئ في آلياته أقرب إلى تغيير قواعد اللعبة في اللحظات الأخيرة منه إلى إصلاح إداري روتيني. ولذلك لم يكن مستغربا أن يبرز في هذه المعركة تحالف غير متوقع بين قضاة محافظين، ومسؤولين انتخابيين جمهوريين محليين، وولايات ديمقراطية، يتفقون جميعا على أن «الفوضى الانتخابية» ليست في مصلحة أحد.

ما تكشفه هذه الحلقة، في نهاية المطاف، هو أن صمود المؤسسات لا يحدث غالبا عبر مواجهات كبرى وحاسمة، بل عبر قرارات إجرائية دقيقة، شبه تقنية، تعنى بالتوقيت والصلاحية أكثر من عنايتها بالمبدأ. المحكمة العليا لم تقل إن قيود الرئيس على التصويت بالبريد غير قانونية بشكل قاطع؛ بل قالت فقط إن فرضها الآن، على هذا النحو المتسرع، غير مقبول.

وهذا في حد ذاته سؤال يستحق أن يطرح خارج السياق الأمريكي أيضا: كم من «الإصلاحات» التي تطرح في لحظات سياسية حساسة يكون توقيتها هو المشكلة الحقيقية فيها، لا جوهرها؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى