
حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

ينظر العالم إلى المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في حال نجحت المساعي القطرية والباكستانية والسعودية في إعادة إحيائها، على أنها ستكون بمثابة “الفرصة الأخيرة” قبل أن ينزلق الشرق الأوسط باتجاه مواجهة مفتوحة وخطيرة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والأمن والاقتصاد في المنطقة بأكملها.
من خلال التصعيد، ومن ثم التوقف عن الهجمات من دون أي مقدمات، يبدو أن الطرفين يقفان أمام مفترق طرق حاسم: إما تسوية سياسية تعيد ضبط قواعد الاشتباك، وإما انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة لتشمل ساحات إقليمية متعددة، وخصوصًا الخليج وإسرائيل، حيث تشير الوقائع الأخيرة إلى استمرار الاتصالات عبر الوسطاء، بالتوازي مع بقاء الخيار العسكري مطروحًا، رغم تباين المواقف المعلنة بين الجانبين.
لا شك أن الطرفين يدركان كلفة الحرب، لكنهما، في الوقت نفسه، لا يريدان تقديم تنازلات يمكن أن تُفسَّر على أنها هزيمة سياسية أو استراتيجية. فالولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق يضمن الحد من البرنامج النووي الإيراني ويقيد قدرات طهران العسكرية والإقليمية، بينما تتمسك إيران، كما بات معلومًا، بحقوقها النووية، وترفض أي اتفاق يمس سيادتها أو يفرض عليها شروطًا، لا سيما في مضيق هرمز، تعتبرها استسلامًا.
هذا الشرخ الواسع يجعل أي تقدم تفاوضي بالغ الصعوبة، لكن، في المقابل، يجعل الحاجة إلى الاتفاق أكثر إلحاحًا. فواشنطن لا ترغب في الانخراط في حرب طويلة تستنزف قدراتها العسكرية والمالية، خصوصًا في ظل التحديات الدولية الأخرى، فيما تدرك طهران أن استمرار المواجهة سيضاعف الضغوط الاقتصادية ويزيد من عزلتها ويهدد استقرارها الداخلي، سيما وأن الجميع يعلم أن الوضع الإيراني الداخلي يتقلب على صفيح ساخن.
وفي تقدير مصدر دبلوماسي عربي، أنه إذا أخفقت المفاوضات هذه المرة، فإن السيناريوهات البديلة تبدو شديدة الخطورة. أولها العودة إلى التصعيد العسكري المباشر عبر ضربات متبادلة تستهدف منشآت استراتيجية وحيوية، أو قواعد عسكرية، أو مصالح بحرية في الخليج. وثانيها توسيع دائرة الاشتباك من خلال ساحات النفوذ الإقليمي، بحيث تتحول عدة جبهات إلى مسرح لرسائل النار المتبادلة، حيث تدخل اليمن وإسرائيل، وربما حزب الله، على خط المواجهة، بما يرفع مستوى التوتر في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة. وبالتأكيد لن يكون لبنان بعيدًا عن تداعيات هذا الأمر. فكل تصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس تلقائيًا على الساحة اللبنانية، سواء عبر زيادة الضغوط السياسية أو العسكرية، أو من خلال ارتفاع احتمالات المواجهة مع إسرائيل. كما أن أي انهيار كامل للمسار التفاوضي سيضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من الخوف والقلق، حيث تصبح الحسابات العسكرية أكثر حضورًا من المبادرات الدبلوماسية.
ويحذر المصدر من أن أول المتأثرين بالحرب، إذا اندلعت مجددًا على نطاق واسع، سيكون سوق الطاقة العالمي، فمجرد التلويح بإغلاق الممرات البحرية، كمضيق هرمز، أو باب المندب، أو تعريض الملاحة في الخليج للخطر، سيكون كفيلًا بإرباك الأسواق ورفع أسعار النفط والشحن والتأمين، وهو ما سينعكس مباشرة على اقتصاد الدول المستوردة للطاقة، ومنها دول الشرق الأوسط نفسها.
ويقول المصدر إنه، رغم الخوف الذي ينتاب المنطقة من عودة الحرب بين طهران وواشنطن، فإن باب الدبلوماسية لم يُغلق بالكامل، فالوسطاء الإقليميون والدوليون ما زالوا يعملون جاهدين على تقريب وجهات النظر، انطلاقًا من قناعة بأن البديل عن التفاوض ليس السلام، بل حرب قد يصعب احتواء نتائجها، إلا أن نجاح هذه الجهود يتطلب قرارات سياسية شجاعة، خصوصًا لجهة تبادل التنازلات من الطرفين، تتجاوز منطق تسجيل النقاط إلى منطق إدارة المصالح المشتركة.
ويختم المصدر بالقول: إن المنطقة، في هذه الأيام، تقف أمام لحظة مفصلية قد تحدد شكل السنوات المقبلة. فإذا نجحت المفاوضات، فقد تفتح الباب أمام مرحلة من التهدئة وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية. أما إذا فشلت، فإن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة جديدة عنوانها التصعيد المفتوح، حيث تصبح كل الخيارات الصعبة مطروحة، من المواجهات العسكرية المباشرة إلى الحروب بالوكالة، وصولًا إلى اهتزاز الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي معًا. ولن يكون هناك رابح وخاسر، بل ستكون كل الأطراف خاسرة، وإن بنسب متفاوتة.




