رأي

مجلس التعاون.. والأمن العالمي

عبد الله بشارة – القبس:

عدت من لندن منذ أيام، حيث التقيت فيها بعدد من الأصدقاء والمعارف من سكان بريطانيا، معظمهم من العرب ومن أفريقيا، إضافة الى دول المجموعة الأوروبية، ورغم انشغالهم قي حياتهم في بريطانيا يبقى الخليج موقع الحرص من الجميع على سلامته واستمرار استقراره، والحفاظ على مسؤوليته الكبرى في تأمين الهدوء والاستقرار في منطقة الخليج التي تنشغل اهتمامات العالم باستقرارها وازدهارها، وكل ذلك الحرص يتولد من خوف عالمي دائم حول احتمالات وصول الاضطراب الذي يتسيد منطقة الشرق الأوسط الى الموقع الخليجي الاستراتيجي للأمن العالمي، لأن العالم بكل ألوانه اعتاد على دوام الفوضى في الشرق الأوسط وتبقى أولوياته تحصين منطقة الخليج من الفوضى وحمايتها من الهزات التي تمس الأمن الخليجي وترابطه مع الأمن العالمي.

والحقيقة أن فصل خريطة الخليج وتحصينها من الفوضى المتمكنة في البقاء الدائم في الشرق الأوسط يظل من الأولويات التي ينشغل العالم كله من أجلها، فالملامح الصحية التي تملكها منطقة مجلس التعاون في جغرافيتها وفي ادراكها لأثقال المسؤولية الخليجية تجاه الأمن العالمي، السياسي والاستراتيجي، يفرض عليها الالتزام بشروط هذه المسؤولية. وقد لاحظت شخصياً من خلال عملي في مجلس التعاون بأن الأهم في أولويات مجلس التعاون يأتي الوفاء للمسؤوليات العالمية التي يتحملها مجلس التعاون للمساهمة في ترسيخ الأمن العالمي واستقراره ومنحه الأولوية، مع إدراكه لحجم التوقعات التي ينتظرها سكان العالم من دول مجلس التعاون، والايمان بأن ثقة سكان الكرة الأرضية في قيادة مجلس التعاون لا بد من الحفاظ على إدامتها وبقائها كدعم مؤثر وشهادة حسن سلوك يقدمها العالم تقديراً لوفاء هذه الدول للحفاظ على صحة وعافية جميع سكان الكرة الأرضية.

وقد تولدت من العلاقات الاستراتيجية التي تربط مجلس التعاون بالأمن العالمي كتلة ضخمة من الواجبات التي لا بد لدول الخليج من الوفاء بها وتوفيرها لكل التوجهات التي تشغل سكان العالم، وكل ذلك أفرز الترابط المثمر بين الخليج والاسرة العالمية، ومن حسن حظ الجميع أن قيادات دول الخليج تحمل وعياً يتميز بالاطمئنان بضرورة التفاهم الاستراتيجي بين من يملك الطاقة وبين من لا يستغني عنها، وبين المالك والمستهلك، ومع مرور الزمن تعاظم ترابط المصالح بين الطرفين وتحولت العلاقات الى شراكة حياة وبشكل دائم وأبدي، فلا مكان للمساومة ولا مجال لإدخالها لتعزيز المكاسب، فالتطور الذي جمع الطرفين، المالك والمستهلك، تولد من تبادلية في الثقة وفي تعميق التشابك الابدي وتعالي حجم المصالح وتجذرها، الأمر الذي شيد قناعات متبادلة بين الجانبين بأن المصير غير قابل للانفصام.

كنت شاهداً موجوداً خلال مرحلة السبعينات من القرن الماضي، الذي شهد أزمة الطاقة مع إفرازات حرب أكتوبر 1973 وانعقاد الدورة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث موضوع النفط، الذى كان موجوداً ومؤثراً في ذلك الملف.

ما زلت أذكر تلك الساعات الطويلة التي قضيناها في اجتماعات متواصلة يطفو على مناخها المخاوف من فشل يؤدي الى انقسام مضر للأمن العالمي، كما أتذكر المساعي التي كانت تدور بين كبار الدول الصناعية وبين كبار المنتجين، ولا يمكن أن ننسى الدور الايجابي للوفد السعودي في تلك الدورة، التي اتسمت بالهدوء والحرص على تحقيق اتفاق يرضي الطرفين، كما قامت بعض الدول الصناعية بتأكيد اعتدالها في البحث عن اتفاق مُرضٍ للجميع، وكانت المملكة العربية السعودية وفنزويلا ودول الخليج في صف الاعتدال الأوروبي من أجل الحد من المشاعر السلبية تجاه الدول المنتجة، وخرجت تلك الدورة بحصيلة ما زالت إيجابيتها مؤثرة في ابعاد الطاقة عن الاعتبارات السياسية وتحصينها من التسلل السياسي والتعامل معها كسلعة استراتيجية نادرة يحتاجها العالم كله، الفقراء والاغنياء، والاهم أن تخرج الطاقة من ملف السياسة، ودون مبالغات في اسعارها وتوفير حجم التصدير بما يرضي حاجة الاسرة العالمية.

ولا أنسى الدور البناء للمملكة العربية السعودية في جهدها لتحقيق إجماع عالمي يحقق العدالة في الأسعار ويؤمن الحجم المرضي لاحتياجات العالم من الطاقة، مع تحييد الطاقة وابعادها عن القضايا السياسية وإخراجها مع تحويلها الى سلاح لخدمة الإنسانية. جاءت حصيلة تلك الدورة بعلاج دائم لموضوع الطاقة، فلا مكان لها في الاعتبارات السياسية، وتم كل ذلك الحصاد دون تحفظات من أي جهة، ومن تلك الدورة الاستثنائية تحقق الاجماع النادر في عزل الطاقة عن الشأن السياسي واحترامها كسلعة استراتيجية يحتاجها العالم كله.

شهدت تلك الدورة خروج الطاقة الكامل من الاعتبارات السياسية وبروزها كسلعة استراتيجية نادرة يحتاجها الكثيرون ويملكها القليلون، ويهتم الجميع بالحفاظ عليها وتبقى أسعارها في الاطار المرضي للجميع.

ومن تلك الدورة الخاصة خرجت الطاقة بريئة من تلوثات السياسة وسارت وفق نهجٍ محافظاً على هويتها في إرضاء الجميع، الاغنياء والفقراء، الكبار والصغار، العالم والحالم، ومشت المسيرة دون اضطراب، وهنا لا بد لي أن أخص المرحوم الملك فيصل بن عبدالعزيز، ملك المملكة العربية السعودية، بالثناء لمتابعته لمسار المفاوضات التي كانت تتم بين كبار المستهلكين وكبار المنتجين وتأثيره العاقل والمعتدل لتسهيل الوصول الى اتفاق وتفاهم بين المنتجين والمستهلكين يرضي الطرفين ويحقق لهما الأهداف التي يسعون للوصول اليها، وقد دون التاريخ دوره البارز في تحقيق التفاهم والاتفاق بين كبار المستهلكين وكبار المنتجين مع قناعة الطرفين في الالتزام بمبادئ الاتفاق واعتبار هذا الاتفاق وثيقة أساسية وجوهرية في الحفاظ على إدامة الانسجام بين الجانبين، ومع ذلك الاتفاق الذي جاء بعد مفاوضات مرهقة، حققت الدول المنتجة للنفط والدول المستهلكة الاتفاق التاريخي، الذي تحول الى عقد يسعد الطرفين ويوفر لهما ما يرضيهما وما يريدان التوصل اليه. ومنذ ذلك التاريخ سيطر الهدوء وتعمقت القناعة بضرورة الحفاظ على سلامة ذلك القرار التاريخي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى