روسيا ــ «الناتو»… وحروب الثلاثين عاماً

إميل أمين – الشرق الأوسط:
لا يزال صدى الرحلة الغامضة التي قام بها مدير الاستخبارات الأميركية المركزية CIA، جون راتكليف، إلى موسكو مؤخراً، يلقي بظلاله على المشهد الروسي، وتدور من حولها الأسئلة الصعبة، وما إذا كان الهدف منها التحذير من مغامرات عسكرية روسية تبدو في الأفق لبعض المراقبين، أم أنها خطوة سرية في طريق تفاهمات لإنهاء الحرب الأوكرانية.
زاد من الغموض، زيارة أخرى لوزير خارجية الفاتيكان بول ريتشارد غالاغر، والتي استمرت أربعة أيام، كان شعارها «حان للحرب أن تتوقف».
وما بين زيارة راتكليف وغالاغر، يمكننا استدعاء الماضي بصبغته «الدبلوماسية – الاستخبارية»، ما بين واشنطن والفاتيكان في ثمانينات القرن الماضي، حيث كان التعاون بينهما بداية لإسقاط الشيوعية في أوروبا الشرقية.
الأسئلة الصعبة تبدأ من عند: هل يخطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعمليات عسكرية جديدة في البلطيق؟ ثم هل كان «الناتو» سبباً في إزعاج القيصر ودفعه لساحات الوغى من خلال المناورات العسكرية التي جرت بالقرب من منطقة كالينينغراد الروسية؟
الرواية الاستخبارية الروسية تقول إنه تم القبض حديثاً على مرتزقة في كورسك بالأراضي الروسية يتبعون لاتفيا ومولودفيا، أي أن بعضهم من إحدى دول البلطيق، ويسعون ضمن مخططات لإعادة فصل كالينينغراد عن روسيا، وهي مفصولة براً بالفعل، والوصول إليها عن طريق الجو والبحر. هنا بدأت التسريبات الروسية تقول إن سيد الكرملين بعث بدوره رسائل لـ«الناتو» مفادها أنه على أهبة الاستعداد للدخول في حرب عالمية من أجل كالينينغراد، وأن تحرشات «الناتو»، قد تقود إلى مواجهة روسية – أوروبية أول الأمر، ثم روسية مع «الناتو» تالياً.
ما الذي تمثله كالينينغراد من أهمية بالنسبة إلى روسيا، ويجعلها مطمعاً لـ«الناتو»، حتى وإن نفت قيادة الحلف هواجس بوتين؟
تمتد هذه المنطقة على مساحة 15.100 كيلومتر مربع على ساحل بحر البلطيق، وهي منفصلة عن روسيا القارية من جهة الشرق بلتوانيا وبيلاروسيا، أما من الشمال والجنوب، فهي محصورة بين ليتوانيا وبولندا، العضوين في حلف الناتو.
تعزل منطقة كالينينغراد دول البلطيق فعلياً، وتثير تساؤلات حول المادة الخامسة من ميثاق حلف الأطلسي بالنسبة إليها. يتمركز أسطول البلطيق الروسي في ميناء باليستيك، ويشكل ما يشبه «حاملة طائرات لا تغرق»، داخل حدود «الناتو». في الوقت نفسه، تشير أحدث التقارير إلى أن القوات الروسية المحلية مجهزة بصواريخ إسكندر الباليستية الروسية المتطورة، وفي تهديد إضافي تعد كالينينغراد منصة مثالية لإطلاق طائرات مسيّرة بعيدة المدى قادرة على إحداث اضطراب في كل مكان تقريباً في شمال أوروبا.
وعليه، فمن منظور استراتيجي يمكن اعتبار المنطقة بأكملها قاعدة عسكرية روسية أمامية ضخمة، الاقتراب منها دونه خرط القتاد.
ماذا يعني ما تقدم؟
بالنسبة لاستراتيجية «الناتو» وقياداته العسكرية، تبدو الشكوك قائمة بقوة، لجهة أن يكون بوتين في طريقه لعمل عسكري جديد، ومبررهم أنه مع تبني روسيا موقفاً عدائياً متزايداً تجاه دول البلطيق وبولندا بالتحديد والتخصيص، تبدو كالينينغراد تحدياً حقيقياً، ليس فقط لتلك الدول المجاورة، بل أيضاً لفكرة أن روسيا ما بعد الحقبة السوفياتية، لم تعد تشكل تهديداً لأوروبا عموماً.
هل من إشارات بعينها قد يُفهم منها أن «أوراسيا» على موعد مع إله الحرب مارس (آذار) من جديد؟
الثابت أنه منذ الربيع الماضي، تزداد التكهنات داخل روسيا، وبين المسؤولين الأوكرانيين والمعلقين الغربيين، بأن الرئيس بوتين سيصدر أمراً بتجديد التعبئة العامة، ويكادون يحددون موعداً، وهو على الأرجح بالنسبة إليهم، عقب الانتخابات البرلمانية في سبتمبر (أيلول) الحالي، أي خلال ثلاثة أسابيع على أقصى تقدير.
التعبئة الرسمية العامة هي مجموعة من التدابير الحكومية الروسية لتفعيل موارد الدولة وقدراتها، بهدف تحقيق أهداف عسكرية وسياسية.
يشمل ذلك إجراءات للانتقال إلى حالة التأهب القصوى للمؤسسات العسكرية والاقتصادية على جميع المستويات.
ويقول ثقات من الجماعة المحيطة بالرئيس بوتين، إن الحملة في أوكرانيا، وما يتم التخطيط له بالنسبة إلى كالينينغراد – رغم إنكار الأطلسي رسمياً – جزء من مواجهة أكبر وأطول أمداً، وهي مواجهة تستعد لها روسيا منذ أكثر من عقد من الزمان، فالتعبئة تمثل جهداً لتنسيق سلطة الدولة بشكل أكثر فاعلية، وتصعيد الجهود المبذولة لملاقاة الخطر القادم من بعيد. هل دخلت روسيا في حرب جديدة مدتها ثلاثون عاماً مع القوى الغربية؟
عرف تاريخ أوروبا في الفترة الممتدة من 1618 وحتى 1648، صراعاً عسكرياً عاتياً بين روسيا ودول القارة الأوروبية، وذلك بسبب رغبة إمبراطور هابسبورغ في فرض سيطرته على كامل أوراسيا، ولم يتوقف سيل الدماء إلا بعد توقيع معاهدة ويستفاليا. هل روسيا و«الناتو» على موعد لا يعيد التاريخ فيه نفسه لكن أحداثه تتكرر؟




