رأي

كيف فضحت وثائق إبستين أخلاقيات النخب؟

كتب علي قاسم في صحيفة العرب.

فضيحة إبستين تعكس هشاشة النظام العالمي أمام المال والسلطة، وتكشف قدرة النخب على خلق نظام مواز يجعلهم فوق سلطة القانون والعدالة.

داخل زنزانة مظلمة انتهت حياة جيفري إبستين، لكن قصته لم تنتهِ. الوثائق التي تركها وراءه فجّرت واحدة من أكبر الفضائح في التاريخ الحديث، لتكشف أن النخب التي ترفع شعارات الأخلاق والشفافية تخفي في الخفاء شبكة من الاستغلال والابتزاز. إنها لحظة سقوط الأقنعة أمام أعين العالم.

في إنجيل يوحنا، حين جيء بامرأة متهمة بالزنا أمام المسيح، وقف الجمع يطالب بتنفيذ الرجم وفق الشريعة. لكن المسيح قال عبارته الشهيرة “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر”. تلك الجملة البسيطة فككت الحشد الغاضب، فانسحب الناس واحداً تلو الآخر، مدركين أن لا أحد منهم خال من الأخطاء. القصة تحمل بعداً رمزياً عميقاً: الإنسان عرضة للخطأ بطبيعته، والخطر الأكبر يكمن في الادعاء بالبراءة المطلقة، وإخفاء الخطايا خلف واجهة أخلاقية زائفة.

هذا البعد الرمزي يكتسب معنى جديداً ومؤلماً في عصرنا مع فضيحة جيفري إبستين، الذي أدين بجرائم الاتجار الجنسي بالقاصرات واستغلال النفوذ. سقوطه لم يكن مجرد قضية جنائية فردية، بل كشف عن شبكة علاقات معقدة تضم سياسيين، رجال أعمال، نجوماً، وعمالقة تكنولوجيا. الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية – أكثر من 6 ملايين صفحة، مع مئات الآلاف من الصور والفيديوهات – أظهرت أن ما كان يُدار خلف الستار مختلف تماماً عن الصورة العلنية التي يقدمها هؤلاء لأنفسهم. إبستين لم يكن مجرمًا عاديًا؛ كان جزءاً من منظومة يتداخل فيها المال مع السلطة والشهرة، وكان يستخدم ثروته وعلاقاته كأداة للإفلات من العقاب لسنوات طويلة.

جمع إبستين ثروته بطرق غامضة، مما يثير جدلاً حول طبيعة النظام المالي العالمي الذي يسمح بتراكم ثروات هائلة دون مساءلة. كان يعمل في البنك الاستثماري بير ستيرنز قبل أن يؤسس شركة إدارة أموال خاصة به، خدمت عملاء من أصحاب المليارات. المصادر الحقيقية لثروته تبقى غامضة، مع نظريات تشير إلى عمليات غسيل أموال أو أعمال استخباراتية. استثمر في عقارات فاخرة: جزيرة خاصة في الكاريبي (ليتل سانت جيمس) اشتهرت فيما بعد باسم “جزيرة المخطوفين”، قصر في مانهاتن (أكبر منزل خاص في المدينة)، مزرعة في نيو مكسيكو. لكنه في الخفاء كان يدير شبكة استغلال جنسي وابتزاز دولية، مستخدماً هذه الممتلكات مسرحًا لجرائمه.

عام 2008، أدانته محكمة فلوريدا بتهمة استغلال قاصر، لكنه حصل على صفقة قضائية مثيرة للجدل: 13 شهراً فقط في سجن محلي مع خروج يومي للعمل، ومنح حصانة لشركائه المحتملين. هذه الصفقة، التي تفاوض عليها محاميه (الذي ينفي أي معرفة بالجرائم) ووافق عليها المدعي الفيدرالي المستقبلي ألكسندر أكوستا (الذي أصبح لاحقاً وزيراً للعمل في إدارة ترامب)، أظهرت كيف يمكن للمال والنفوذ تغيير مسار العدالة بشكل صارخ. الصفقة لم تتم مناقشتها مع الضحايا، مما يطرح سؤالاً خطيراً: هل يمكن للنظام القانوني أن يكون شريكاً في التستر عندما يتعلق الأمر بالأثرياء والأقوياء؟

سياسيون، ملوك، رجال أعمال، وعمالقة التكنولوجيا ظهروا في القائمة، لتتحول القضية إلى سؤال مفتوح: هل يمكن للمال والسلطة أن يظلا فوق القانون؟

في عام 2019، أُعيد اعتقاله بتهم الاتجار الجنسي، لكن وفاته الغامضة في زنزانته في 10 آب/ أغسطس 2019، أثارت نظريات مؤامرة واسعة. تقرير مكتب المفتش العام لوزارة العدل (2023) أكد أن الوفاة كانت انتحاراً نتيجة إهمال وفشل في إجراءات السجن، لكن الشكوك بقيت قائمة بسبب سلسلة من “المصادفات” المريبة: كاميرات المراقبة المعطلة، إزالة الحراسة الشخصية رغم أنه كان تحت مراقبة انتحار، وتوقيت الوفاة قبل أيام من شهادته المرتقبة التي كان من الممكن أن تكشف أسماء أخرى. هذه الظروف تثير أسئلة كثيرة حول نظام العدالة: هل يمكن أن يصل الفساد إلى درجة التخلص من الشهود الرئيسيين في قضايا تلطخ نفوذ النخب العالمية؟

الوثائق كشفت أسماء مئات الشخصيات البارزة: الرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي سافر على طائرة إبستين عشرات المرات (27 رحلة حسب بعض التقارير) وزار جزيرته، الرئيس دونالد ترامب، الذي ورد اسمه مئات المرات في المراسلات، وصُوّر مع إبستين في حفلات؛ الأمير أندرو من العائلة البريطانية، الذي واجه اتهامات مباشرة من ضحايا واضطر للتخلي عن واجباته العامة؛ بيل غيتس، الذي التقى إبستين عدة مرات بعد إدانته في فلوريدا وأعرب عن “ندمه” لاحقاً؛ إيلون ماسك، الذي نفى أي علاقة وثيقة رغم ظهور مراسلات؛ سيرغي برين (مؤسس غوغل)، الذي زار جزيرة إبستين وتواصل معه. ورود هذه الأسماء لا يعني إدانة مباشرة للجميع، لكنه كافٍ لإحداث زلزال إعلامي، لقد كشف التناقض بين الصورة العلنية – شعارات المسؤولية الاجتماعية، المبادرات الخيرية، خطابات عن القيم – والواقع الخفي.

نخب سياسية واقتصادية وتكنولوجية تقدم نفسها بصورة مثالية: خطابات عن القيم، الشفافية، والمسؤولية. لكن الوثائق تظهر أن هذه الواجهة قد تكون قناعاً. مجرد ارتباط اسم رئيس أو ملياردير بشبكة استغلال يهز الثقة العامة، حتى لو لم تثبت إدانة جنائية. هذا التناقض يثير تساؤلاً فلسفياً عميقاً: هل الإنسان عرضة للخطأ بطبيعته؟ أم أن النخب، بحكم السلطة والمال، تجد نفسها في موقع يسمح لها بتجاوز القانون بل وتحويل الخطيئة إلى نظام محمي؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تكشف أن الخطر ليس في الخطأ الفردي، بل في البنية الاجتماعية والسياسية التي تسمح للنخب بتحويل خطاياها إلى منظومات محمية، حيث يصبح الاستغلال والفساد جزءاً من شبكة العلاقات التي تحافظ على السلطة.

الأثر العالمي للقضية تجاوز حدود الولايات المتحدة. نشر ملايين الصفحات، مع مئات الآلاف من الصور والفيديوهات، جعلها حدثاً عالمياً هز صورة النخب عبر القارات. الثقة العامة تضررت: الناس شعروا أن الأخلاق المعلنة مجرد واجهة، والنفوذ يحمي من العقاب. المؤسسات القانونية تعرضت للنقد: صفقة 2008، ووفاة غامضة 2019، أثارت شكوكاً حول نزاهة النظام. الإعلام لعب دوراً في الكشف، لكن السؤال بقي: هل يكفي الكشف دون مساءلة حقيقية؟ كثير من الأصوات طالبت بأن تتحول هذه القضية إلى بداية مساءلة للنخب، لا مجرد حدث إعلامي يُطوى مع مرور الوقت.

ملايين الصفحات من الوثائق، أسماء من الصف الأول في السياسة والتكنولوجيا، وأسئلة معلّقة حول العدالة والمساءلة. القضية أعادت طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من يحاسب الأقوياء إذا كان الجميع خطأة؟

القضية أعادت طرح السؤال الإنجيلي القديم في سياق معاصر: إذا كان الجميع خطأة، فمن يملك الحق في رمي الحجر؟ لكنها أضافت بعداً جديداً خطيراً: الخطر ليس في الخطأ الفردي، بل في البنية المؤسسية التي تسمح للنخب بتحويل خطاياها إلى منظومات محمية وممولة. العدالة لا تكفي وحدها؛ تحتاج إلى ثقافة مساءلة ووعي جماعي يرفض أن تكون الأخلاق مجرد واجهة. فضيحة إبستين ليست مجرد قصة جريمة، بل قضية تعكس هشاشة النظام العالمي أمام المال والسلطة، وكشفاً صارخاً عن كيف يمكن للنخب العالمية أن تخلق نظاماً موازياً حيث القوانين لا تنطبق بنفس القوة.

هل نحن أمام نظام طبقي عالمي جديد؟ تعيش فيه النخب بقواعد أخلاقية وقانونية مختلفة عن بقية البشر، محمية بشبكة من المحامين والمصرفيين والوسطاء؟
هل يمكن الحديث عن “دولة عميقة”، رأسمالية، حيث روابط المال والسلطة تتجاوز الانتماءات الوطنية والسياسية، وتخلق تحالفات تحمي مصالحها بغض النظر عن الجرائم المرتكبة؟

أين حدود المسؤولية الأخلاقية؟ هل يكفي أن ينأى الأشخاص بأنفسهم علنياً عن إبستين بعد فضحه، بينما استفادوا من شبكة علاقاته لسنوات؟
هل المؤسسات الخيرية والتنموية التي يديرها بعض من وردت أسماءهم في الوثائق مجرد غسيل للسمعة؟ ألا يجب إعادة النظر في شرعية هذه المؤسسات إذا كانت ممولة من ثروات مشبوهة أو يديرها متورطون أخلاقياً؟
لماذا يتم التعامل مع القضية كفضيحة إعلامية وليس كجريمة منظمة عابرة للحدود؟ أليس هذا دليلاً على أن النظام القضائي العالمي غير مجهز أو غير راغب في محاسبة النخب؟

فضيحة إبستين أعادت طرح هذا السؤال على مستوى عالمي، وربطت بين البعد الرمزي القديم والواقع المعاصر المقلق. فهي تذكّر أن القانون وحده لا يكفي، وأن الرحمة والوعي الأخلاقي ضروريان، لكنها أيضًا تحذر من أن الرحمة تعني التواطؤ، وأن مساءلة الأقوياء جزء لا يتجزأ من حماية العدالة. في النهاية، سيبقى إرث إبستين مزدوجًا: رمزًا للانحطاط والجرائم التي ارتكبها؛ ونافذة كشفت المستور وأظهرت أن النخب ليست معصومة، وأن العالم بحاجة إلى مساءلة حقيقية تتجاوز الشعارات.

هل ستتحول هذه الفضيحة إلى بداية مساءلة حقيقية، أم ستُطوى الصفحات عندما يهدأ الضجيج الإعلامي؟ الإجابة ستحدد إن كان العالم قادراً على بناء عدالة حقيقية غير انتقائية، أم سيظل المال والنفوذ فوق القانون، يوجهان الأخلاق كما يوجهان السياسة والأسواق. من يحاسب الأقوياء إذا كان النظام العالمي مصمماً لحمايتهم؟ الإجابة تتطلب إدراكاً جماعياً أن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن مساءلة النخب ليست خياراً بل ضرورة وجودية لحماية فكرة الإنسانية نفسها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى