رأي

اتفاقية مكة للدفاع المشترك

د. عبدالعزيز حمد العويشق – الرياض:

احتضن البيت الحرام يوم الجمعة قمة تاريخية تم خلالها توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ومع أن العمل على هذه الاتفاقية بدأ منذ عدة سنوات، إلا أن توقيت الإعلان عنها جاء في خضم دعوات مشبوهة لإعادة رسم خريطة الأمن في المنطقة ومحاولات الهيمنة على مستقبلها، لتؤكد الدول الثلاث عزمها على تعزيز أمنها المشترك بنفسها والرد على تلك الأوهام.

لُبّ الاتفاقية، كميثاق للدفاع الجماعي، هو التأكيد بأن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم عليها جميعاً، وللاتفاقية هدفان أساسيان: تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء أو تهديد، وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار والتنمية في المنطقة والعالم.

تشكل الدول الثلاث تحالفاً قوياً من النواحي السياسية والبشرية والاقتصادية والعسكرية، إذ تتمتع المملكة بدور قيادي في العالم الإسلامي والعربي، وتقع تركيا بين قارتي آسيا وأوروبا، وهي عضو في حلف الناتو، وجيشها ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، ولدى باكستان قوة نووية ضاربة، وتتمتع مثل شقيقتيها بموقع استراتيجي فريد.

ويتجاوز حجم سكان الدول الثلاث 380 مليون نسمة، ومساحة أراضيها 3.7 ملايين كيلومتر مربع. ويبلغ حجم اقتصاداتها نحو 3.5 تريليونات دولار، ما يجعلها في المرتبة السابعة عالمياً، وتقود المملكة أكبر تحالف للطاقة في العالم.

وتتجاوز أعداد القوات المسلحة المليونين في الدول الثلاث، ويتجاوز عدد طائراتها المقاتلة الألف، والدبابات سبعة آلاف، والمصفحات 90 ألفاً.

وكما أوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان فإن الوفاء بالتزامات التحالف يتم وفق نوع التهديدات ونوعية المساعدة التي تحتاجها الدولة التي تواجه التهديد أو الهجوم، فعند وقوع الهجوم تقوم الدولة المُعتدى عليها بتحديد نوعية الرد والدعم المطلوب من شركائها. وكما يتم في حلف الناتو، سيخضع الطلب للنقاش والتوافق لتحديد طبيعة الرد ومساهمات الدول الأعضاء فيه. فقد يكون الدعم الدبلوماسي هو المطلوب، أو المعلومات الاستخباراتية، أو الدعم اللوجستي، أو الذخائر. وإذا لم يف كل ذلك بالغرض، فقد تطلب الدولة وحدات عسكرية، حسب حجم التهديد.

من الناحية العملية، يُتوقع أن يكون هيكل الحلف الجديد شبيهاً بمنظمة الناتو، أي أن تكون هناك أمانة عامة للتحالف، تم الاتفاق على أن تكون في المملكة العربية السعودية، ويشرف على أعمالها وزراء الخارجية ووزراء الدفاع ورؤساء الأركان في الدول الثلاث.

وبالنظر إلى تطور حلف الناتو، فإنه لم يولد كاملاً، فلم يكن له أمانة عامة إلا في 1952، بعد ثلاثة أعوام كانت الدول الأعضاء خلالها تتناوب على أعمال السكرتارية. وكانت الحرب الكورية التي نشبت في يونيو 1950، بعد سنة من تأسيس الحلف، أهم الأحداث التي ساعدت على نمو الحلف وتحديد أهدافه وآليات عمله.

وبالمثل فإن الفترة الحرجة التي نمرّ بها حالياً سوف تعجل من نمو التحالف الجديد لمواجهة الأخطار والتحديات المُحدقة بالمنطقة.

ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن الاتفاقية وليدة الأحداث الحالية، أو أنها موجهة إلى دولة أو مجموعة معينة، بل هدفها تعزيز قوة الردع بحيث لا تجرؤ أي دولة على مهاجمة دول التحالف، وألا تحتاج دول التحالف إلى استخدام القوة فعلياً.

رحبت الولايات المتحدة والصين بإعلان مكة، فالتحالف الجديد لن يضعف الشراكة معهما، إذ تجمع الدول الثلاث صداقة راسخة، قوية ومستدامة، مع واشنطن وبكين. ولكن المؤكد كذلك، أن قدرة الدول الثلاث على التفاوض مع الدول الأخرى، بما في ذلك الدول العُظمى، قد تحسنت شروطها.

من ركائز التحالف الجديد تطوير التعاون في مجال الدفاع، مثل التمارين العسكرية المشتركة، وبرامج التدريب، والتبادل الاستخباراتي، والتعاون اللوجستي، والصناعات العسكرية، والأمن البحري. وقد انضمت باكستان وتركيا إلى التحالف البحري الذي تأسس في 30 يوليو بقيادة سعودية، لتعزيز الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن.

في ظل انحسار نفوذ الدول الكبرى في المنطقة، فإن هذه الاتفاقية خطوة مهمة لوضع نظام للأمن الإقليمي يقوم على القدرات الذاتية لدول المنطقة، وردع أي محاولات للهيمنة أو عرقلة طموحات شعوبها لبناء مستقبل مزدهر.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى