أبرزرأي

«التجريبية الأميركية» في المنطقة نجاحًا وفشلًا وتداعيات

رئيس “المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع”، الجمهورية اللبنانية – عبد الهادي محفوظ:

محدّدات تتحكّم بوضع المنطقة، تموج بين ما هو محلي وإقليمي وما هو دولي، وتخرج عن إمكانية تحكّم طرف ما فيها، ما يجعل الوضع أقرب إلى الاشتعال منه إلى السكون. فالوضع مختلف عمّا كان عليه بين الحربين العالميتين، حيث تحكّمت كل من بريطانيا وفرنسا ببناء هيكلية الأنظمة السياسية على قاعدة تقاسم النفوذ والصراع حوله وعليه.

وفي ظل الثنائية الدولية بين المعسكرين الغربي والاشتراكي، استفادت دول عدم الانحياز من استقلالية نسبية ومن دورها. ولكن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تحكّمت الأحادية الدولية الأميركية بشؤون العالم، ولم يكن لها خبرة «بريطانيا التي لا تغيب عنها الشمس» التي ورثتها واشنطن، حيث وجدت نفسها أمام صعود الفكر الديني المتطرف وتعبيراته السياسية في القاعدة وطالبان والنصرة وداعش، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية.

والسؤال: هل ارتكب حاكم العراق الأميركي بول بريمر خطأ، أم أن الأمر كان مقصودًا في تفكيك الجيش العراقي ومؤسسات الدولة وتعميق الشروخ الطائفية والإثنية في العراق؟ هل الجواب هو في عدم الخبرة الشخصية لبريمر، أم أن الأمر كان يرتبط بإنهاء دور المؤسسة العسكرية العراقية التي كانت «عصب النظام»، والتي تمتلك عقيدة عسكرية ببُعد قومي؟ ما يعني أن تفكيكها هو تفكيك البعد القومي العروبي الجامع لمختلف المكوّنات العراقية، وإثارة المخاوف بين هذه المكوّنات.

ومن غرائب الأمور أن تهجير المسيحيين في العراق تمّ تحت عباءة بريمر، ولم تتم حماية الطائفة اليزيدية ولا الكلدان والأشوريين، وتمّ الدفع باتجاه التناحر السني-الشيعي وفتح المجال أمام فساد السلطة وتشويه فكرة «الحاكميّة الشيعية» وإبعادها عن بُعد العدالة والمساواة، وعبر سلطة شيعية غلب عليها الجشع وجمع المال، واستكمال الأمر نفسه لدى الشريك الآخر، الطرف السني.

«التجريبية الأميركية» هي وسيلة واشنطن في المنطقة. فبعد تشويه فكرة «الحاكمية الشيعية» في العراق، يأتي دور تشويه فكرة «الحاكمية السنية» في سوريا، باستنساخ النموذج العراقي، وإنما بصورة «ليبرالية» نسبيًا وبانفتاح من الرئيس السوري أحمد الشرع، وإنما من دون «تحكّم» بالذين يمسكون الشارع بأفكار سلفية متزمتة وبجماعات متطرفة وافدة من أمكنة بعيدة.

وهذه الناحية قد يكون الرئيس أحمد الشرع منتبهًا لها، ويلقى حاليًا دعم الرئيس دونالد ترامب الذي رفع العقوبات عن النظام السوري وأشخاصه، وربط ذلك بالانفتاح على إسرائيل. وإنما المشكلة تبقى كامنة. فاليمين الإسرائيلي الحاكم يريد التوسّع في الجغرافيا السورية والشراكة في قرار السلطة فيها. ومن هنا، ضمانات الرئيس ترامب للرئيس الشرع هي ضمانات مؤقتة لا تربط السياسة الأميركية لمرحلة ما بعد ولايته.

والمستغرب استثناء «الحاكمية السنية» «القاعدة الأفغانية» أميركيًا لأغراض أميركية ترتبط باستخدامه كعنصر ضغط مستقبلي على تركيا وإيران معًا، إذا اقتضت ذلك المصلحة الأميركية.

مدرسة «التجريبية الأميركية» كرّسها الرئيس جورج بوش الابن في العراق، ويأخذ بها الرئيس الحالي دونالد ترامب عبر تبنّيه لنظرية «فن الصفقة» في السياسة والعلاقات الدولية. «تجريب أميركي» في مضيق هرمز. و«تجريب» في «مذكرة التفاهم». و«تجريب» في الهيمنة الجوية والبحرية. واستطرادًا، «تجريب» في الحصار الاقتصادي. و«تجريب» في المناطق التجريبية في الجنوب اللبناني.

والأرجح أن «سياسات التجريب» تقود إلى نتائج متعاكسة. منها ما هو رابح ومنها ما هو خاسر. حالها حال الصفقة. لكن «سياسات التجريب» تنقل العدوى إلى الآخرين. وهذا ما يحصل في الاجتماع المرتقب الذي جمع إيران والدول المطلة على الخليج والعراق في اجتماع مسقط. فهذا اللقاء «التجريبي» يراعي فيه بعض المجتمعين موقف واشنطن وما إذا كانت تعترض على نتائجه.

«تجريب روسي» في اختبار أوروبا عبر طائرات مسيّرة. و«تجريب صيني» بحري إزاء تايوان والفيليبين، اختبارًا لواشنطن.

«التجريبية» مدرسة جديدة في السياسة، وهي عنصر ليس بالأساس في حسابات السياسات العميقة للدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية. وهذه «التجريبية» يستفيد منها حاليًا اللاعبان الروسي والصيني، وفي المنطقة التركي والباكستاني والإسرائيلي والإيراني.

وفي كل الأحوال، «المدرسة التجريبية» الأميركية تعطي فرصة لحلول مؤقتة وحتى متفجرة لاحقًا، ومترددة بين السعودية والحوثيين، وواضعة حدودًا لالتزامات «اتفاق مكة» بالدفاع.

وكل ذلك يستتبع فكرة للنقاش: لماذا عالمنا العربي هو ساحة «التجريب» الرئيسية، حيث تفكك دول وجيوش وبنى اجتماعية؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى