أبرزرأي

مجلس التعاون.. إعادة ترتيب القيم والقواعد

كتب د. علي الخشيبان في صحيفة الرياض.

الدول لا يغيرها الاقتصاد أو الرغبة في تحقيق الطموحات؛ فعالم القرن الحادي والعشرين ليس صالحًا لتصورات تاريخية كما كانت (اسبرطة)، ومن هنا فإن التوافق والتعايش هما الأساس الذي يجب أن يسود بين الدول، وإلا فإن المشكلات سوف تتصاعد مما يعنى تعرض الأمن والاستقرار في هذه الدول إلى الأزمات..

الرسالة تدور حول الحالة الخليجية؛ فدول الخليج الست اتحدت فيما بينها وأُطلق على اتحادها (مجلس التعاون الخليجي)، وبرغم الشروخات التي تشكلت عبر تاريخ المجلس؛ الا أن المجلس اليوم يواجه نوعا مختلفا من الأزمات، فتسرب الأزمات التي نراها اليوم هي في حقيقتها مؤلمة وتمتلك الفرصة للذهاب بالمجلس نحو نهاية الحلم، وتحتاج إلى من يستدركها حتى لا تتحول إلى واقع شديد القسوة يصعب إصلاحه.

حقيقة منطقة الخليج اليوم خلف الأحداث المؤلمة التي مر بها الشرق الأوسط تتمثل في كونها أصبحت محورا في الجغرافيا الإقليمية ومعها تغيرت القواعد والحدود المعتادة للتعامل مع هذه المنطقة التي ليس أمامها سوى خيارات وتحديات صعبة، فإما القدرة على بناء نظام خليجي سياسي يعتمد قواعد الجغرافيا والتاريخ بوضوح في مساره أو الاستسلام لنوبات الخلخلة التي تهاجم المجلس بين فترة وأخرى.

قواعد الجغرافيا والتاريخ في الخليج تتطلب الإيمان أن هناك ست دول، إحدى هذه الدول هي الأكبر في المساحة والسكان والتأثير الدولي والإقليمي والعربي والإسلامي في مقابل بقية الدول، وهذه المعادلة لا يجب أن يفهم منها السيطرة؛ ولكنها تعني أن متطلبات هذه الدولة الكبيرة السياسية والاقتصادية والجغرافية تفوق تصورات غيرها من جيرانها، ووصفها بالشقيقة الكبرى هو خير دليل على مكانتها..

العالم من حولنا يعيش مرحلة حرجة في توجهاته وتصاعد المنافسة بين الدول إلى مراحل غير مسبوقة، فالأنظمة التي كانت تحكم العالم أصبحت تتنافس بقسوة، وأصبحت القاعدة العالمية تتمحور حول القوة والنفوذ وفرض الواقع، وهذا يعني أن الحماية والاتحاد بين دول الخليج أصبحت مهمة، وإلا فالفوضى ومواجهة الأزمات ستكون مصيرا محتوما، القواعد التي تحكم العالم تعود بذات المعايير، فالدول لا يغيرها الاقتصاد أو الرغبة في تحقيق الطموحات؛ فعالم القرن الحادي والعشرين ليس صالحا لتصورات تاريخية كما كانت (اسبرطة)، ومن هنا فإن التوافق والتعايش هما الأساس الذي يجب أن يسود بين الدول، وإلا فإن المشكلات سوف تتصاعد مما يعني تعرض الأمن والاستقرار في هذه الدول إلى الأزمات.

الجميع يدرك أن دول المجلس تعاونت لأكثر من أربعة عقود، واليوم حان الوقت لتغيير طريقة فهمنا لهذا المجلس، فالنظام الخليجي يتعرض للهزات المتكررة التي تتطلب أن يعيد مجلس التعاون ترتيب قيمه وقواعده وفق معطيات المرحلة، المرحلة الماضية حققت إنجازاتها، ولكي يعيش المجلس مدة أطول لا بد من تغيير القواعد التي قام عليها، فإمكانية تطوير المجلس خير من تعرضه للضعف عبر تكرار الأزمات، النظام العالمي يتغير والمرور عبر هذا النظام يتطلب من دول المجلس أن تكون قادرة على السير بشكل صحيح.

الواقعية والتعقل هما الاتجاه الصحيح المتاح؛ لأن تفاقم الأزمات سيكون خسارة على الجميع، ومن يريد أن يكون في مجلس يتعاون فيه مع جيرانه فإنه مطالب بضبط طموحه وفق قواعد هذا المجلس ومتطلبات جيرانه، مجلس التعاون بعد هذه العقود الأربعة ليس حالة من عدم اليقين يتم اقتحامها والعبث بمكوناتها، لا يجب أن يسمح مجلس التعاون بصعود التصورات الفردية إلى درجة تهدد مكانة المجلس وبقاءه في منظومة التحالفات الدولية، لا يمكن للمجلس مقاومة الأزمات في ظل وجود تنافس غير مبرر على نفس القيمة، كل دولة خليجية لديها ميزة تنافسية، والمطلوب هو التكامل وفق قواعد استراتيجية واضحة، فالدول تقيّم بمكانتها وتاريخها ولن يتغير ذلك.

أخطر ما يمكن أن يواجهه الخليج هو تسرب الآخرين والغرباء إلى ممراته والتأثير في مكوناته، مجلس التعاون أصبح قيمة تميز دوله، ومع ذلك فإن متطلبات جديدة أصبحت ملحة على تكوين هذا المجلس، فلا بد من إزالة التصورات غير الصحيحة لدى دول الخليج حول معادلة التوازن والقوة والنفوذ، ففي عالم اليوم هناك معايير دقيقة لفهم هذا المجلس وفق المتغيرات التي تحكم دوله، فالتاريخ والجغرافيا لا يمكن خداعهما بالطموحات؛ ولكن يمكن استيعابهما بالتعاون، لذلك فالإيمان بقوة مجلس التعاون لا يمكن أن يستمر في ظل تصورات خارجة عن المألوف.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى