عائلة ترامب والفساد المشروع

صحيفة “وول ستريت جورنال” تتحدث في تقرير لها عن أن الرئيس الأميركي وعائلته يحققون مكاسب من الرئاسة بطرق تُسيء إلى هيبة المنصب وتنتقص من مكانته.
يُصرّح الأميركيون لمؤسسات استطلاع الرأي بأنهم لا يعتقدون أنهم يحققون تقدماً مالياً. لكن الرئيس ترامب وعائلته لا يواجهون أي صعوبات، استناداً إلى تقريره المالي لعام 2025 الذي نُشر يوم الثلاثاء. تستغل عائلة ترامب الرئاسة بطرقٍ واسعة النطاق ومشبوهة.
يُظهر التقرير المؤلف من 927 صفحة أن ترامب حقق حوالي 1.4 مليار دولار العام الماضي من العملات المشفرة وحدها. يا للعجب! يشمل هذا المبلغ 635 مليون دولار كعائدات من عملة “ميمكوين” التي أطلقها ترامب قبل أيام من تنصيبه. ويجني شركاء مؤسسة ترامب التجاريون أرباحاً مما يُشبه رسوم المعاملات عند تداول عملة “ميمكوين”.
وجاء مبلغ 593 مليون دولار إضافية من مبيعات الرموز والأسهم لشركة “وورلد ليبرتي فاينانشال”، التي يضم مؤسسوها الرئيس وأبناؤه والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف. ويشغل زاك، نجل ويتكوف، منصب الرئيس التنفيذي للشركة. وتمتلك جهة تجارية مرتبطة بترامب وأفراد عائلته حصة كبيرة من “وورلد ليبرتي”.
لقد فصّلنا بعض الصفقات المشبوهة التي أبرمتها شركة “وورلد ليبرتي” مع جهات أجنبية يُحتمل أنها كانت تسعى لكسب النفوذ لدى الإدارة الأميركية. ويشمل ذلك شركة “دي دبليو إف لابز”، وهي شركة عملات رقمية مقرها الإمارات، والحكومة الباكستانية. وقد استخدمت أبوظبي العملة المستقرة لشركة “وورلد ليبرتي” للاستثمار في منصة “باينانس” للعملات الرقمية.
أقرت منصة “باينانس” في عام 2023 بذنبها في انتهاك قوانين مكافحة غسل الأموال الأميركية والعقوبات المفروضة على إيران. وقد أصدر الرئيس ترامب عفواً عن مؤسسها المشارك، تشانغبينغ تشاو، الذي أقر بذنبه في انتهاك قانون السرية المصرفية، في تشرين الأول/أكتوبر.
ثمّة أيضاً براعة عائلة ترامب المالية في دعم المعادن الحيوية من قِبل الحكومة. فقد قدّمت الإدارة مليارات الدولارات لتمويل مجموعة من شركات تطوير المعادن الحيوية لتعزيز سلاسل التوريد الأميركية ومنع الصين من استغلال هيمنتها. وقد أدّى هذا الاستثمار الحكومي إلى ازدهارٍ كبير في هذا القطاع.
يرى آل ترامب الفرص المتاحة أمامهم ويغتنمونها، على غرار ما أسماه جورج واشنطن بلانكيت، مؤسس تاماني هول، “الرشوة الشريفة”. (كانت تاماني هول آلة سياسية ديمقراطية في القرن التاسع عشر). ويُظهر تقرير الإفصاح الخاص بالرئيس مكاسب رأسمالية تتراوح بين 100 ألف دولار ومليون دولار من شركة تطوير المعادن الحيوية “إم بي ماتيريالز”، التي ارتفع سعر سهمها بشكل كبير الصيف الماضي بعد أن أعلنت الشركة أن “البنتاغون” سيستحوذ على حصة 15% فيها.
استثمرت شركة رأس المال الاستثماري “1789 كابيتال”، المملوكة لدونالد ترامب الابن، في شركة “فولكان إيليمنتس” قبل ثلاثة أشهر من حصولها على قرض حكومي بقيمة 620 مليون دولار. ويُذكر أن بنك “كانتور فيتزجيرالد” الاستثماري، الذي يرأسه أبناء وزير التجارة هوارد لوتنيك، كان مستشاراً مالياً أو ضامناً للعديد من الشركات الناشئة التي تلقت دعماً حكومياً.
عرضت إدارة ترامب تمويلاً يصل إلى 1.6 مليار دولار لمشروع تطوير منجم للتنغستن في كازاخستان. لا شك أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تنويع مصادر إمداداتها من التنغستن، وهو عنصر بالغ الأهمية لأنظمة الأسلحة. لكن شركة يملكها جزئياً ابنا ترامب، إريك ودونالد جونيور، استثمرت في شركة تدعم المشروع قبيل إعلان الإدارة عن اتفاقية تعدين مع كازاخستان في نوفمبر الماضي، والتي مهدت الطريق للمشروع. ونشر الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف صورة له في حفل توقيع الاتفاقية بالبيت الأبيض.
اقترحت الإدارة الأميركية تحديد حد أدنى لأسعار المعادن الحيوية لضمان عدم تمكن الصين من إغراق السوق وخفض أسعارها بشكل كبير على حساب الموردين البديلين، كما فعلت في السابق. قد يبدو هذا منطقياً، لكن ضمان الحكومة للسعر، إلى جانب الدعم المالي، يجعل هذه المشاريع مربحة للغاية للمستثمرين، مثل عائلة ترامب.
حتى لو افترضنا أن كل هذا قانوني، فإنه يبقى استعراضاً غير لائق لاستغلال الرئاسة لتحقيق مكاسب عائلية. من الصعب تصديق أن أبناء ترامب كانوا قادرين على إبرام الصفقات نفسها لو لم يكن والدهم في البيت الأبيض. الفرق الرئيسي بين تعاملات هانتر بايدن الخارجية ومشاريع ترامب هو أن عائلة ترامب صريحة وشفافة بشأن مشاريعها.
لكن ستكون هناك تكاليف سياسية، حتى بالنسبة للجمهوريين. فإذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، فسيكون لديهم فرصة ذهبية للتحقيق في صفقات عائلة ترامب. وستتردد أصداء اتهامات الفساد الموجهة للحزب الجمهوري حتى عام 2028. وهذا سيغذي الصراع الطبقي الذي يشنّه اليسار، والرواية السطحية التي تزعم أن المليارديرات “الأوليغاركيين” يثرون على حساب الحكومة.
قد يظن الأجانب أن بإمكانهم كسب ودّ الأميركيين أو الحصول على امتيازات إذا أشركوا عائلة ترامب في الأمر. الأميركيون، وخاصة مؤيدوه، يستحقون أفضل من هذا الرئيس أو أي رئيس آخر.
المصدر: صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية




