أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: برودة على خط بعبدا ـ عين التينة

تثير الأحاديث المتزايدة عن بقاء وتيرة التواصل بين بعبدا وعين التينة دون المستوى المعتاد تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المؤسستين في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، حيث تتشابك الملفات الداخلية مع الضغوط الخارجية بصورة غير مسبوقة.

فالمرحلة الراهنة تفرض على مختلف القوى السياسية مقاربة ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وتبدأ من الاستحقاقات الإصلاحية والاقتصادية، ولا تنتهي عند القضايا السيادية والأمنية، وهو ما يجعل التنسيق بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب عاملًا أساسيًا في إنتاج الاستقرار السياسي، وتوفير الحد الأدنى من الانسجام بين المؤسسات الدستورية.

ولا يعني تراجع وتيرة التواصل بالضرورة وجود قطيعة سياسية أو خلافات يصعب تجاوزها، إذ إن التجربة اللبنانية أثبتت أن العلاقات بين الرئاسات تمر بمراحل مدّ وجزر، تبعًا لطبيعة الملفات المطروحة وحجم التباينات حولها. غير أن استمرار البرودة لفترة طويلة يفتح المجال أمام قراءات متعددة، خصوصًا في ظل ارتفاع منسوب التجاذبات الداخلية، وتزايد الضغوط الدولية والإقليمية على لبنان.

ويبدو أن بعض الملفات المطروحة على طاولة البحث تتطلب مقاربات مختلفة بين الرئاستين، سواء في ما يتعلق بأولويات المرحلة المقبلة، أو بكيفية إدارة الملفات الوطنية الكبرى، أو بآليات التعامل مع الاستحقاقات المنتظرة. وهذه الاختلافات، وإن بقيت ضمن الأطر السياسية الطبيعية، فإنها تنعكس حكمًا على مستوى التواصل المباشر، وتؤخر الوصول إلى تفاهمات سريعة بشأن عدد من القضايا.

وفي المقابل، يدرك الطرفان أن أي تباعد طويل الأمد لا يخدم أحدًا، لأن طبيعة النظام اللبناني تفرض تعاونًا دائمًا بين السلطات الدستورية، خصوصًا في ظل الأزمات المالية والاجتماعية المتفاقمة، والتحديات العسكرية المستمرة، والحاجة إلى اتخاذ قرارات تتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا. لذلك، فإن قنوات الاتصال، حتى وإن خفتت وتيرتها، تبقى قائمة بحكم الضرورة السياسية، لأن إدارة الدولة لا يمكن أن تستقيم في ظل انقطاع الحوار بين أبرز المرجعيات الدستورية.

كما أن المشهد الإقليمي المتحرك يفرض على الداخل اللبناني قدرًا أكبر من التنسيق، إذ إن أي تطورات خارجية قد تنعكس مباشرة على الواقع المحلي، ما يستوجب وجود مقاربة موحدة، أو على الأقل متقاربة، بين مختلف المؤسسات الرسمية، لتجنيب البلاد المزيد من الاهتزازات السياسية.

إن برودة التواصل بين بعبدا وعين التينة تبدو أقرب إلى مرحلة اختبار سياسي منها إلى أزمة مفتوحة، فالخلاف في مقاربة بعض الملفات لا يلغي وجود مصالح وطنية مشتركة تفرض إعادة تنشيط قنوات الحوار كلما اقتضت الضرورة. ويبقى الرهان على أن تستعيد العلاقة زخمها في ضوء الاستحقاقات المقبلة، لأن المرحلة لا تحتمل ترف التباعد بين المؤسسات، بل تتطلب أعلى درجات التنسيق للحفاظ على الاستقرار السياسي، وتحصين الدولة في مواجهة التحديات المتراكمة، وإبقاء العمل الدستوري منتظمًا، بعيدًا عن أي اهتزاز قد ينعكس سلبًا على الواقعين السياسي والاقتصادي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى