من الحرب إلى التفاوض.. إيران تفرض قواعد اللعبة

السيد شبل – الميادين:
ما شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية لم يكن مجرّد مفاوضات تقنية لصياغة بنود اتفاق، بل كان صراعاً مركّباً على رسم ملامح المرحلة المقبلة.
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأسابيع القليلة الماضية حراكاً دبلوماسياً محموماً، تمثّل في جولتين مكثّفتين من المفاوضات غير المباشرة؛ الأولى احتضنتها العاصمة السويسرية جنيف خلال شهر حزيران/يونيو، والثانية انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة مع مطلع شهر تموز/يوليو الجاري.
هذا المسار التفاوضي العاجل لم يكن وليد رغبة طوعيّة في السلام، بل جاء كمخرج اضطراري لإدارة الرئيس دونالد ترامب بعد جولة عسكرية عنيفة وعاصفة شهدها عام 2026، تمثّلت في غارات جوية مكثّفة واغتيالات طالت قادة بارزين في طهران، وتدمير واسع طال البنية التحتية والمصانع والجسور والمنشآت العامة. ومن خلف جدران غرف التفاوض المغلقة، تدور اليوم معركة أخرى لا تقلّ شراسة عن الميدان: إنها معركة “صياغة الرواية” بين استراتيجيتين متناقضتين تماماً.
واقعية اضطرارية: عبثية الحسم العسكري ضدّ طهران
نبع التراجع الأميركي عن خيار التصعيد العسكري الشامل والصمت عن فكرة “غزو إيران” من إدراك عميق لحقائق استراتيجية قاطعة:
أولاً: الرفض الشعبي الداخلي: يواجه الشارع الأميركي حالة من الإنهاك التامّ والرفض الحاسم لأيّ مغامرات برية جديدة. فالذاكرة الأميركية مثقلة بالخسائر الضخمة والجثامين التي عادت من حروب استنزاف طويلة في أفغانستان والعراق، مما جعل الرأي العامّ غير مستعدّ إطلاقاً لتحمّل كلفة بشرية أو مالية جديدة.
ثانياً: العقيدة الاستشهادية والصمود الاستثنائي: أيقنت الدوائر العسكرية في واشنطن أنّ كسر إيران عسكرياً هو ضرب من العبث الاستراتيجي. لقد أثبتت القوات المسلحة الإيرانية، وحرس الثورة، والحاضنة الشعبية المؤيّدة للثورة صلابة عقائدية استثنائية؛ فحتى لو استُخدمت أشدّ الأسلحة فتكاً وتدميراً، فإنّ التركيبة الإيرانية قادرة على إعادة تنظيم نفسها فوراً في شكل قوات غير نظامية، مما يعني أنّ القوات الأميركية لن تهنأ أبداً بالسيطرة على شبر واحد من الأرض الإيرانية.
ثالثاً: لغز الجغرافيا وسلاح الردع الصاروخي: أثبتت طهران عسكرياً أنها ليست خصماً سهلاً، ولا يمكن معاملتها كدولة من دول “العالم الثالث”. لقد غيّرت ترسانتها من الصواريخ الباليستية والمسيّرات معادلة الصراع الإقليمي بالكامل، ووجّهت ضربة تاريخية غير مسبوقة لأمن الكيان الإسرائيلي. فلم تتعرّض “إسرائيل” في “تاريخها” لهذا الوابل المرعب من النيران إلا خلال جولتي القتال خلال عامي 2025 و2026.
وهنا أدّت الجغرافيا دوراً حاسماً لصالح طهران؛ فمساحة كيان الاحتلال الضيّقة جداً (20- 22 ألف كيلومتر مربّع) جعلته مكشوفاً بالكامل وتحت رحمة النيران المتقاطعة من إيران وحزب الله وبقية ساحات المقاومة، مقارنة بمساحة إيران الشاسعة التي تبلغ نحو 1.64 مليون كيلومتر مربّع وموزّعة ديموغرافياً وجغرافياً بشكل يصعب سحقه. هذا التباين جعل مردود الصواريخ في الداخل الإسرائيلي مدمّراً ومربكاً بشكل هائل.
بناءً على هذا الوعي، لم يكن هدف الإدارة الأميركية يوماً إسقاط النظام الإيراني عسكرياً، بل كان الهدف هو “تغيير سلوكه”، وكانت الهجمات العنيفة وتدمير البنية المدنية واغتيال القادة محاولة لضغط قسري يدفع القيادة الإيرانية نحو تبنّي نهج أكثر تصالحاً مع واشنطن و”تل أبيب” وأقلّ عدائية.
لكنّ ما حدث في الميدان جاء عكس الحسابات الأميركية تماماً؛ إذ تشبّث النظام الإيراني بمبادئه الثورية الراسخة منذ عام 1979، وعلى رأسها الرفض الاستراتيجي المطلق للوجود الإسرائيلي، ودعم القضية الفلسطينية، وإنهاء الوجود الأميركي في المنطقة.
المساران الأميركيان: السعي لإنقاذ ماء الوجه
أمام هذا الصمود الإيراني، تحاول واشنطن نقل المعركة إلى طاولة المفاوضات، متحرّكة عبر مسارين متوازيين لتقليل خسائرها الجيوسياسية:
المسار الأول: ترميم صورة “الحامي المهيمن”
تحاول أميركا جاهدة إثبات أنها لا تزال القوة الأهمّ والأكبر في الشرق الأوسط، والمسؤولة الأولى عن هندسة أمنه وحماية حلفائها التقليديين. هذا التحرّك جاء مدفوعاً بقلق أميركي شديد من تضعضع ثقة الحلفاء؛ حيث بدأت دول إقليمية وخليجية ترى ببراغماتية أنّ مصلحتها تكمن في تجنّب الصدام مع إيران والابتعاد عن التورّط في حرب استنزاف مفتوحة، خاصة في ظلّ وجود قوى إقليمية وازنة وعاقلة مثل مصر وتركيا تدفع بقوة نحو التهدئة، وتدعو إلى إيجاد حلول إقليمية مستقلة بعيداً عن الإملاءات الغربية.
تدرك واشنطن أنّ خسارة حضورها في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا تعني حرفياً تفكّك شبكة الأمان الاستراتيجية التي بنتها منذ عقود، ولذلك تسعى عبر جولات التفاوض الحالية لإرسال رسائل طمأنة بأنّ يدها لا تزال هي العليا في ترتيب ملفات المنطقة.
المسار الثاني: الحرب النفسية و”صناعة وهم الانكسار”
تسعى الماكينة السياسية والإعلامية الموالية لدونالد ترامب لتصوير مشهد المفاوضات وكأنّ إيران قد “أُرغمت عليها”، في محاولة ممنهجة لـ “كي وعي” الجماهير وحلفاء إيران في الإقليم، وإظهار طهران في موقف “الطرف المهزوم” الذي يبحث عن طوق نجاة دولي.
وتوظّف الإدارة الأميركية في هذا السياق كلّ قنواتها الدبلوماسية لتصوير الاتفاقات المرتقبة كإنجاز تاريخي لسياسة “الضغط الأقصى” لترامب، بهدف تغطية العجز العسكري الحقيقي وتحويل الفشل في إسقاط النظام إلى نصر سياسي وهمي يسوّق للداخل الأميركي وللشركاء الدوليّين على حدّ سواء.
الردّ الإيراني الذكي: إفساد المخطط وتغيير قواعد اللعبة
على المقلب الآخر، تبدو طهران واعية تماماً لأبعاد هذه اللعبة النفسية والاستراتيجية، وتحرّكت بذكاء لإفساد المسارين الأميركيّين وتحويل المفاوضات إلى منصة لتأكيد انتصارها:
إحباط المسار الأول (كسر احتكار الهيمنة الأميركية):
وجّهت إيران ضربة قاصمة للمسار الأميركي عبر فرض واقع ميداني وسياسي جديد في ممر مائي بالغ الأهمية هو مضيق هرمز؛ حيث أكدت بشكل قاطع حقّها الإيراني الخالص في إدارة ومراقبة المضيق، معلنةً للعالم عملياً أنّ عصر التفرّد الأميركي بالمنطقة قد انتهى.
ولم تكتفِ بذلك، بل تبنّت دبلوماسية منفتحة تجاه محيطها؛ حيث فتحت ذراعيها لجميع جيرانها العرب والمسلمين، عارضةً الشراكة والتقارب على أيّ طرف يختار التزحزح خطوات بعيداً عن المظلة الأميركية والصهيونية.
هذه الاستراتيجية الذكية أسقطت فكرة “عزل إيران” وحوّلتها إلى مركز ثقل جاذب، مما أثار رعباً حقيقياً في واشنطن التي رأت إرث هيمنتها الممتد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يتآكل ويتفكّك أمام عينيها، وبعد أن كانت العواصم تخطب ودّ البيت الأبيض، باتت اليوم تبحث عن صيغ تعايش وبناء توازنات مع طهران القادرة على الردع وإيلام خصومها.
إحباط المسار الثاني (العامل النفسي):
داخل غرف التفاوض في جنيف والدوحة، أظهر المفاوض الإيراني صلابة بالغة؛ فلم يقدّم أيّ تنازلات. بل على العكس، تفاوضت طهران من موقع القوة والندّ، مشترطةً اعترافاً دولياً كاملاً بدورها الإقليمي كلاعب أول، ومتمسّكة بحقّها المطلق في تطوير ترسانتها الصاروخية الباليستية. وفي الملف النووي، وبالرغم من التزامها العقائدي والشرعي بفتوى تحريم السلاح النووي، إلا أنها تمسّكت بكلّ منجزاتها التكنولوجية كأوراق ضغط قوية لتلاعب بها إدارة ترامب بذكاء وتفوّق استراتيجي.
كما أكّدت طهران عمق تحالفاتها الإقليمية، وعلى رأسها المقاومة في لبنان، واضعة إياها فوق أيّ مساومة لتأكيد ثبات بوصلتها ضدّ مطامع “تل أبيب”.
معركة تثبيت موازين القوى الجديدة
إنّ ما شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية لم يكن مجرّد مفاوضات تقنية لصياغة بنود اتفاق، بل كان صراعاً مركّباً على رسم ملامح المرحلة المقبلة وكتابة الرواية التي ستبقى في ذاكرة التاريخ.
فواشنطن تسعى إلى تقديم المفاوضات باعتبارها الثمرة الطبيعية لتفوّقها العسكري، وإقناع حلفائها وخصومها معاً بأنّ القوة الأميركية لا تزال قادرة على فرض إرادتها وإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، حتى وإن لم يتحقّق الهدف الأكبر المتمثّل في إخضاع إيران أو تغيير نظامها.
في المقابل، تعمل طهران على تحويل الطاولة نفسها إلى دليل على فشل خيار الحسم العسكري، وإلى اعتراف غير مباشر بأنّ القوة الخشنة، على الرغم من قدرتها على إحداث دمار وإيقاع خسائر، لم تتمكّن من انتزاع التنازلات الاستراتيجية التي كانت واشنطن تطمح إليها.
ومن هذا المنطلق، تقدّم إيران نفسها -عن حقّ- بوصفها دولة صمدت أمام أقصى درجات الضغط العسكري والسياسي، ثمّ انتقلت إلى التفاوض من دون أن تتخلّى عن ثوابتها الأساسية أو موقعها الإقليمي.




