أهم مركز لمراقبة الديمقراطية في العالم: ترامب يسعى إلى فرض الديكتاتورية

يحذر معهد “V-Dem” السويدي من أن الولايات المتحدة لم تعد دولة ديمقراطية ليبرالية. وأن الحكم الاستبدادي يتسلل أيضاً إلى أوروبا.
مارتن جيلين – صحيفة “الغارديان” البريطانية:
يؤكد أحد أكثر المصادر العالمية مصداقية في مجال صحة الأنظمة الديمقراطية صراحةً أنّ الولايات المتحدة لم تعد دولة ديمقراطية. فقد توصل معهد “أنواع الديمقراطية” (V-Dem) بجامعة غوتنبرغ إلى هذا الاستنتاج المقلق في تقريره السنوي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تتجه نحو الحكم الاستبدادي بوتيرة أسرع من المجر وتركيا. وفي هذا السياق، يقول ستافان ليندبرغ، مؤسس المعهد: “تعود بياناتنا عن الولايات المتحدة الأميركية إلى عام 1789. وما نشهده اليوم هو أشد تراجع ديمقراطي على الإطلاق في البلاد”.
منذ عام 2012، يتولى ليندبرغ قيادة فريقه الصغير من الباحثين في السويد ليصبح المصدر الرائد عالمياً لتحليل وضع الديمقراطية على مستوى العالم. وفي أحدث تقرير لهم، نُشر يوم الثلاثاء، خلصوا إلى أن الولايات المتحدة، ولأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، فقدت مكانتها الراسخة كدولة ديمقراطية ليبرالية. وتشهد البلاد اليوم عملية متسارعة لما يسميه معدّو هذا التقرير “التحول نحو الحكم الاستبدادي”. ويقول ليندبرغ: “لقد استغرق الأمر نحو 4 سنوات لأوربان في المجر، و8 سنوات لفوتشيتش في صربيا، ونحو 10 سنوات لإردوغان في تركيا ومودي في الهند لقمع المؤسسات الديمقراطية، وهو ما حققه ترامب في عام واحد فقط”.
“41% من سكان العالم يعيشون حالياً في دول تتراجع فيها الديمقراطية، والولايات المتحدة الأميركية تقود هذا التحول العالمي بعيداً عن الديمقراطية”
وقد تراجعت الديمقراطية الأميركية اليوم إلى أسوأ مستوى مُسجل منذ عام 1965، عندما أقرت قوانين الحقوق المدنية الأميركية حق الاقتراع العام بحكم الأمر الواقع. ووفقاً للتقرير، فقد تم محو كل التقدم الذي تم إحرازه منذ ذلك الحين. وعلى مستوى العالم، تراجعت الديمقراطية إلى أدنى مستوياتها منذ منتصف السبعينيات. ويقول ليندبرغ: “لم يشهد العالم من قبل هذا العدد الكبير من الدول التي تتجه نحو الحكم الاستبدادي في الوقت عينه”. ووفقاً للتقرير، يعيش نحو 41% (أي 3.4 مليار شخص) من سكان العالم حالياً في دول تتراجع فيها الديمقراطية، مضيفاً أنّ واشنطن تقود هذا التحول العالمي بعيداً عن الديمقراطية.
يستخدم الباحثون 48 معياراً مختلفاً لتقييم صحة الديمقراطية، مثل حرية التعبير وحرية الإعلام، وجودة الانتخابات، ومدى احترام سيادة القانون. ويُظهر “مؤشر الديمقراطية الليبرالية” الناتج أن السرعة التي يتم بها تفكيك الديمقراطية في الولايات المتحدة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. ويقول ليندبرغ إن العامل الرئيس هو “التركيز السريع والعدواني للسلطات في يد الرئاسة”. وقد تم تهميش الكونغرس، ما يهدد نظام “الضوابط والتوازنات” (القيود القضائية والتشريعية على السلطة التنفيذية) الذي يُعدّ أساسياً للديمقراطية الأميركية. وفي الوقت نفسه، شهدت الحقوق المدنية تراجعاً سريعاً، وباتت حرية التعبير اليوم عند أدنى مستوى لها منذ أربعينيات القرن الماضي. ويقول ليندبرغ: “لقد شهدنا تركّزاً سريعاً جداً للسلطة في الجناح التنفيذي. وتخلّت السلطة التشريعية عملياً عن صلاحياتها لصالح الرئيس، ولم تعد تؤدي دورها كجهة رقابة على السلطة التنفيذية”.
في السنة الأولى من رئاسة دونالد ترامب، وقّع 225 أمراً تنفيذياً، في حين أقرّ الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون 49 قانوناً جديداً فقط. ويشير ليندبرغ إلى أنّ “معظم الأوامر التنفيذية التي أصدرها ترامب كانت ذات أهمية كبيرة. فقد أغلق إدارات حكومية بأكملها، وقام بفصل مئات الآلاف من الموظفين. أما القوانين التي أقرّها الكونغرس، فكانت في معظمها تعديلات طفيفة على القوانين القائمة. لذلك، لم يعد هناك فصل حقيقي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية”.
في غضون ذلك، تخلت المحكمة العليا عن معظم سلطتها، وحتى عندما تُبطل أوامر ترامب التنفيذية، فإنه يتحايل عليها، كما يقول ليندبرغ. ويشير إلى وجود أكثر من 600 دعوى قضائية جارية ضد إدارة ترامب في المحاكم.
ترامب يفرض الديكتاتورية عبر إزالة القيود عن السلطة
وبحسب التقرير، يتمثل جانب آخر من جوانب التدهور السريع للديمقراطية الأميركية في إزالة الضوابط الداخلية التي تحمي الحكومة الفيدرالية من إساءة استخدام السلطة. وعندما سألتُ ليندبرغ عن كيفية تفسير هذه النتائج، كانت إجابته قاطعة: “لقد أقال ترامب المفتشين العامين وكبار موظفي الخدمة المدنية في مختلف الإدارات، واستبدلهم بأشخاص موالين له. وهذا بالضبط ما فعله أوربان وإردوغان؛ إزالة القيود المفروضة على السلطة. وبات واضحاً اليوم أن ترامب يسعى إلى فرض الديكتاتورية”.
فكيف أصبح معهد أبحاث صغير في غوتنبرغ مصدراً موثوقاً به للغاية حول تراجع الديمقراطية في واشنطن؟ عندما أسس ليندبرغ، وهو عالم سياسي هادئ الطباع، معهد “V-Dem” في عام 2012، كانت الديمقراطية العالمية قريبة من ذروتها التاريخية. ويقول: “في ذلك الوقت، كنا جميعاً نبحث في عملية التحول الديمقراطي، وكنا محبطين لأن المقاييس لم تكن جيدة بما فيه الكفاية، لذلك أردنا إنشاء مؤشر عالمي موثوق يكون ذا صلة بمجتمع الباحثين في مجال الديمقراطية بأكمله”.
وبعد 5 سنوات، عندما نشر المعهد أول مجموعة بيانات له حول الديمقراطية العالمية، أدرك خبراؤه أن الأمور تسير بسرعة في الاتجاه الخاطئ. ويقول ليندبرغ: “اليوم، أصبحنا جميعاً، ممن كنا نبحث في الديمقراطية، باحثين في الاستبداد”. وفي ذلك الوقت، تعرّضت تقاريرهم لانتقادات بحجة أنها “تبالغ” في تقدير المخاطر التي تهدد استقرار الديمقراطية عالمياً. ويضيف ليندبرغ: “لقد وُصفنا بالمهوّلين، لكن تحذيراتنا تبدو اليوم مبرّرة”.
يعمل فريق أساسي مؤلف من 12 باحثاً في غوتنبرغ مع 4200 باحث في 180 دولة، مستخدمين ما يقولون إنه أكبر مجموعة بيانات عالمية حول الديمقراطية، تضم أكثر من 32 مليون نقطة بيانات لـ202 دولة وإقليم، وتغطي الفترة من عام 1789 إلى عام 2025. ويقول ليندبرغ: “لدينا معايير عالمية، بالإضافة إلى أشخاص على أرض الواقع يخبروننا بما يجري فعلاً. تقاريرنا علمية بالكامل وقائمة على البحث، وبياناتنا خالية من التحيز وتأثير الدولة ومن آراء الخبراء العامة والاعتبارات السياسية”.
“تعاني 7 دول أوروبية من الاستبداد، وانضمت دولتنان إلى قائمة المراقبة الخاصة بالمعهد، بينما يصنف التقرير المملكة المتحدة كدولة استبدادية جديدة”
يُعدّ تقرير معهد “V-Dem”، بعنوان “هل ينهار العصر الديمقراطي؟”، مرجعاً أساسياً لأوروبا، حيث تعاني 7 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي – وهي المجر واليونان وكرواتيا وسلوفينيا وسلوفاكيا وإيطاليا ورومانيا – من “الاستبداد”، وسط مؤشرات على لجوء الحكومات إلى الرقابة الإعلامية، وتقييد حرية التعبير، وقمع المجتمع المدني. وقد انضمت كلّ من البرتغال وبلغاريا إلى “قائمة المراقبة” الخاصة بالمعهد.
ويصنّف التقرير المملكة المتحدة كدولة “استبدادية جديدة”، مدفوعةً بـ”تراجع كبير” في حرية التعبير والإعلام. ويشير ليندبرغ إلى أنّ “هذا التراجع في المملكة المتحدة بدأ قبل تولي كير ستارمر منصبه، مع قانون الانتخابات لعام 2022، وتوسّع سلطة الحكومة على هيئات الإشراف على الانتخابات. كما قلّص قانون الشرطة لعام 2022 الحقوق المدنية وحرية التعبير. واستُخدم قانون السلامة على الإنترنت لعام 2023 لمعاقبة التعبير عبر الإنترنت ورفع دعاوى قضائية لإسكات الصحافيين. وزاد قانون التعليم العالي (حرية التعبير) لعام 2023 من المطالب المفروضة على الجامعات لمراقبة الاحتجاجات وفرض الرقابة على حرية التعبير. والمثير للقلق هو أنه بمجرد بدء التراجع الديمقراطي، يصعب إيقافه في كثير من الأحيان”.
في المقابل، تتصدر كلّ من الدنمارك والسويد والنرويج وسويسرا وإستونيا وإيرلندا مؤشر “V-Dem” العالمي للديمقراطية لعام 2025. وهو يُسلط الضوء على جهود دول أخرى، من بينها بولندا، في محاولتها التحول عن الحكم الاستبدادي. لكن 18 دولة فقط في العالم تشهد تحولاً نحو الديمقراطية، وهو أدنى مستوى تاريخي.
ومن أبرز الجوانب الإيجابية في تقييم الولايات المتحدة استمرار إجراء انتخابات حرة ونزيهة، واستقرار النظام الانتخابي “حتى الآن”. إلا أن الأوامر التنفيذية الصادرة منذ تولي ترامب السلطة تُنذر بمخاطر جديدة تهدد النظام الانتخابي.
ويقول ليندبرغ إن التهديدات التي يتعرض لها البيروقراطيون والعاملون في مراكز الاقتراع الذين يديرون الانتخابات مُقلقة بالفعل. “لقد رأينا تقارير إعلامية تفيد بأن 40% من العاملين في الانتخابات ومراكز الاقتراع قد استقالوا منذ عام 2020. ولم يقبل ترامب هزيمته آنذاك قط. فلماذا قد يقبل الهزيمة الآن؟ إذا شهدنا إنكاراً لنتائج انتخابات 2026، فسيكون ذلك انهياراً كاملاً للديمقراطية.
“انخفضت نسبة تأييد ترامب إلى أقل من 40%، كما يشعر عدد كبير من ناخبيه بخيبة أمل عميقة إزاء الحرب الجديدة في إيران،
والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة”
قد يكون هناك مصدر محتمل لتفاؤل حذر، وهو تراجع شعبية توجه ترامب الاستبدادي، بحيث انخفضت نسبة تأييده إلى أقل من 40%. كما يشعر عدد كبير من ناخبي ترامب بخيبة أمل عميقة إزاء الحرب الجديدة في إيران، والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. وقد تمكن عدد من الولايات الليبرالية التي كانت هدفاً لترامب، مثل مينيسوتا وكاليفورنيا، من التصدي بنجاح للتهديدات التي طالت الحقوق المدنية والمجتمعات المحلية. ويقول ليندبرغ: “نشهد أيضاً المزيد من الانتقادات من داخل حركة ماغا”.
وسيكون من السذاجة، كما يحذّر التقرير، الاعتقاد بأن الدول الأوروبية بمنأى عن التراجع الديمقراطي، مهما حدث في واشنطن. ويوضح ليندبرغ: “إنه اتجاه عالمي. لذا، فالأمر لا يقتصر على أميركا فحسب في دفع هذا المسار. وتُظهر الأبحاث بوضوح أن اليمين المتطرف، بمجرد وصوله إلى السلطة، لديه احتمالية كبيرة لتفكيك المؤسسات الديمقراطية”.
في الكثير من الدول الأوروبية، يحشد الناخبون جهودهم لانتخاب نسخهم الخاصة من ترامب، على الرغم من التهديدات الصريحة التي توجهها الإدارة للقارة ودعمها المستمر للأحزاب المتطرفة التي تقوّض الاستقرار الأوروبي. ويتبع المحافظون التقليديون هذا التوجه، آملين، رغماً عن المنطق، أن تسير الأمور على نحو أفضل هذه المرة مقارنةً بفترات الحكم الاستبدادي السابقة. ويؤكد تقرير “V-Dem”، بأرقام صادمة ولغة واضحة، مخاطر هذا المسار.




