السياسة الديغولية: نرجسية وطنية واحتقار للشعوب

كتب د. خالد زغريت في صحيفة العرب.
وطنية ديغول تمنحه حق الدفاع عن مصالح فرنسا لكنها لا تمنحه الحق في معاداة تحرر الشعوب الأخرى المضطهدة، كما لا تسوغ له احتقار الأمم الأخرى.
ليس كل قائد تحرير وطني قائد تحرر عالمي، فكثير من قادة التحرير الوطني تحكمت فيهم عقدة النرجسية الوطنية، وعزلتهم عن المشاركة في قيادة تحرر الشعوب، وأسرتهم في قضاياهم الوطنية. وأبلغ مثال على ذلك الزعيم الفرنسي شارل ديغول، الذي قاد تحرر فرنسا من الاحتلال الألماني في حركة نضال تدل على صدق تضحياته الوطنية، لذلك لم يزل الساسة الفرنسيون يتمثلون شخصيته ونهجه السياسي الوطني.
حوّل الفرنسيون ديغول إلى رمز وطني أثير، فرسخوا نهجه في حياتهم السياسية، وأطلقوا عليه الاتجاه الديغولي. وامتد ذلك إلى ثقافة الأمم الأخرى السياسية، حتى أن أستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا ميلز كاهلر جعله مدرسة سياسية رسخت نهجها وأسلوبها في المدارس السياسية المرموقة. فعرّف الديغولية في كتابه “إنهاء الاستعمار البريطاني – الفرنسي وتداعياته على العلاقات الدولية” بأنها: “موقف سياسي فرنسي يقوم على فكر وممارسة زعيم المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية الجنرال شارل ديغول”.
ورأى كاهلر أن قوة سياسة ديغول الوطنية تجلت بقدرتها على “فرض انسحاب قواعد قوات الحلفاء من فرنسا، وإنشاء إستراتيجية نووية فرنسية خاصة، ونجحت في استقلال السياسة الفرنسية عن التبعية للدول العظمى، وفرضت شراكة فرنسا مع قادة العالم فيما يحقق مصالحها من غير أن تكون تابعة لهم”.
لم يكن ديغول في حقيقة آرائه وسياسته من أنصار قضايا العرب، بل كان نرجسيًا استعماريًا حتى العظم، وأوهم العرب ببعض سياساته التي أظهرت تعاطفًا هشًا مع قضاياهم
تجسدت زعامة ديغول الوطنية في مواقف نضالية متعددة، بدأت برفضه اتفاق الهدنة الذي وقعه المارشال الفرنسي بيتان مع ألمانيا النازية، حيث لجأ ديغول إلى لندن وأطلق من هناك نداءه الشهير يوم 18 يونيو/حزيران 1940: “أيها الفرنسيون: لقد خسرنا معركة، ولكننا لم نخسر الحرب، وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا”. ثم دعا الشعب الفرنسي إلى مقاومة الألمان، وكرّس جهوده في إنشاء “قوات فرنسا الحرة” التي قاتلت بالتنسيق مع قوات الحلفاء ضد الألمان، وأدت إلى دخول ديغول باريس سنة 1945. فتوّج بطلا قوميا، وترأس حكومة فرنسا، وتناوب على حكمها في مراحل تالية إلى أن استقال سنة 1969.
وعلى الرغم من التقدير الشعبي الفرنسي والعالمي لسياسة ديغول الوطنية، إلا أن الباحثين السياسيين كشفوا عن نرجسية وطنية في سياسته. فرأى الباحث ماكسيم تاندوني أن الساسة الفرنسيين بمختلف مشاربهم ينظرون إلى شارل ديغول باعتباره يمثل نوعًا من الاستعلاء، وجنون العظمة والنرجسية، وهي صفات صبغت السياسة الفرنسية منذ العهد الديغولي.
وتختصر الباحثة الاجتماعية والسياسية الفرنسية دومينيك شنابر في دراستها “ديغول في نظر اليهود” منهج ديغول بقولها “ديغول ينطلق في سياساته من مرجعية قومية تجعله أحيانًا معاديًا للعرب، وأحيانًا لليهود، وأحيانًا للأرمن وغيرهم. فقوميته الأساسية لا يمكن أن تترك مجالًا لتقدير أو تعاطف مع أي شعب آخر إذا رأى أن ذلك لا يخدم مصلحة فرنسا”.
وطنية ديغول تمنحه حق الدفاع عن مصالح فرنسا، لكنها لا تمنحه الحق في معاداة تحرر الشعوب الأخرى المضطهدة، كما لا تسوغ له احتقار الأمم الأخرى، الذي تجلى في تصريح مثير للجدل أدلى به للصحافي الأميركي آرثر سولزبيرغر، سخر فيه من العرب وصوّرهم على أنهم مجموعة شعوب لم تنجح قط في تكوين دولة ولا حتى في بناء سد.
لم يكن ديغول في حقيقة آرائه وسياسته من أنصار قضايا العرب، بل كان نرجسيًا استعماريًا حتى العظم، وأوهم العرب ببعض سياساته التي أظهرت تعاطفًا هشًا مع قضاياهم، من غير أن تدفعه شخصيته التحررية الاعتبارية إلى الحياء الدبلوماسي في امتهان العرب واحتقار تطلعاتهم. وذلك لأن ديغول، في عمق تفكيره السياسي، لم يتخلص من عقده الاستعمارية، على الرغم من أنه أصبح أيقونة تحرر وطني لفرنسا.




