رأي

واقع أوروبي جديد

علي قباجة, الخليج:

تجد القارة الأوروبية نفسها اليوم أمام المنعطف الأكثر حدة وتوتراً في علاقتها مع الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث لم يدر الحديث في أروقة مؤتمر ميونيخ للأمن حول تعزيز الشراكة بقدر ما بات يتركز حول كيفية النجاة من تداعيات تصدعها الوشيك. حيث بلغ انعدام الثقة عبر الأطلسي مستويات غير مسبوقة منذ تأسيس «الناتو»، مدفوعاً بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي وضعت أوروبا أمام حقيقة جيوسياسية مرة، مفادها أن واشنطن لم تعد مستعدة لتحمل كلف الدفاع عن «القارة العجوز» في ظل انشغالها بمجالها الحيوي والتفرغ للتصدي للصعود الصيني المتنامي.
هذا الواقع دفع الأوروبيين إلى استيقاظ متأخر، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام التهديدات الروسية المتزايدة، في وقت بدأت فيه المظلة الأمريكية التي احتموا بها لعقود بالانحسار التدريجي، تاركة خلفها استياء أوروبياً عاماً وصحوة اضطرارية نحو بناء استراتيجيات تسليحية كبرى وضخ ميزانيات ضخمة في الإنفاق الدفاعي.
ولعل الأرقام التي كشف عنها استطلاع الرأي الأخير لموقع «بوليتيكو» تعكس عمق هذا الشرخ وتجذره، فحين يصرّح 57% من الكنديين و50% من الألمان و44% من الفرنسيين بأنهم لا يعتبرون واشنطن حليفاً موثوقاً، فإننا نتحدث عن تحول نوعي في المزاج الشعبي والسياسي العالمي، يتجاوز مجرد الخلافات الدبلوماسية العابرة ليلامس أزمة وجودية في بنية التحالف التقليدي.
وجاءت كلمات المستشار الألماني فريدريش ميرتس في افتتاح مؤتمر ميونيخ لتضع النقاط على الحروف، حين دعا بوضوح إلى ضرورة «إصلاح الثقة المهتزة وإحيائها معاً»، محذراً بلهجة لا تخلو من القلق من أن النظام العالمي قد ولى إلى غير رجعة، وأن القوة الأمريكية المنفردة لم تعد كافية لمواجهة تحديات عصر التنافس بين القوى العظمى.
ورغم التوجه الأوروبي نحو «السيادة العسكرية» والحديث عن جيش موحد، إلا أن فك الارتباط لا يبدو يسيراً أو قريباً من الناحية الواقعية، فلا تزال القارة تحتضن 84 ألف جندي أمريكي، وتعتمد بشكل كبير على قدرات نوعية لا يمكن الاستغناء عنها كالنقل الاستراتيجي والمظلة النووية الرادعة.
المفارقة التي تعيشها العواصم الأوروبية اليوم تكمن في محاولة التوفيق بين رغبتها في استقلال القرار العسكري، وبين واقع حاجتها إلى واشنطن التي لا تزال تملك مفاتيح الأمن في القارة عبر قواعدها المنتشرة. وبينما تصّر واشنطن على أنها لم تنفصل تماماً، تظل الرسالة الأمريكية واضحة ومفادها أن الحماية لم تعد صكاً مفتوحاً بلا مقابل. وبذلك، تظل أوروبا في سباق مع الزمن لردم فجوة القدرات العسكرية وبناء كيان دفاعي ذاتي، قبل أن تفرض عليها التحولات الجيوسياسية المتسارعة واقعاً تجد فيه نفسها وحيدة في مواجهة العواصف.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى