هل يتحول الحضور العربي في القرن الأفريقي إلى قوة حاسمة؟

كتب مختار الدبابي, في العرب:
زيارة الأمير فيصل بن فرحان إلى أديس أبابا تأتي ضمن مقاربة السعودية لحماية أمنها القومي وقطع السبل أمام المخاطر على حركة النفط في البحر الأحمر وعلى أمنها بشكل مباشر.
توجهت سفينة حفر تركية الأحد إلى الصومال للقيام بأعمال تنقيب عن الطاقة. وكانت مرفوقة بوحدات تابعة للقوات البحرية التركية، وسفن حربية وأخرى تابعة لأسطول الطاقة التركي بهدف ضمان تنفيذ عمليات الحفر بشكل متواصل وآمن وفعّال. هذا الخبر يأتي ضمن سياق الاهتمام المتزايد بمنطقة القرن الأفريقي خلال الأعوام الأخيرة والتنافس الدولي على التمركز فيها.
ولا يقف الأمر عند الدول التقليدية التي تبحث عن التمركز في المضائق البحرية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وروسيا، ولكن توسّع الاهتمام إلى دول شرق أوسطية مثل إيران وتركيا ودول عربية استفاقت على ضرورة التنافس على مناطق النفوذ في منطقة حيوية تمرّ منها أهم نسبة من المنتجات النفطية العالمية، وتتحكم في التبادلات التجارية البحرية بين الغرب والشرق.
هناك بعض الدول الإقليمية التي كانت سبقت إلى تسجيل حضورها في المنطقة مثل الإمارات، التي تهتم بالموانئ وتبحث عن تأمين أنشطتها، وكان لها دور في مواجهة القرصنة في البحر الأحمر وباب المندب خلال الحرب في الصومال خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي، ودعمته لاحقا عبر استثمارات في الموانئ والبنية التحتية.
وتحظى الإمارات باهتمام كبير في أفريقيا لعدة اعتبارات، لعلّ أبرزها أنها تستثمر أرقاما كبيرة في المشاريع المشتركة، وهو ما يكسبها مصداقية ليس فقط لدى الحكومات وإنما أيضا لدى شعوب القارة التي ملّت العلاقة مع بعض دول الغرب التي تبدي اهتماما أمنيا وعسكريا وتهمّش البعد الاقتصادي والاستثماري الذي يخدم الناس ويحسّن مستوى عيشهم.
الإمارات تحظى باهتمام كبير في أفريقيا لعدة اعتبارات أبرزها أنها تستثمر أرقاما كبيرة في المشاريع المشتركة وهو ما يكسبها مصداقية ليس فقط لدى الحكومات وإنما لدى شعوب القارة أيضا
ويعبّد الوجودُ الاستثماري والتجاري القوي الطريقَ أمام الإمارات للعب دور دبلوماسي يكمن أساسا في المساعدة على وقف التوترات، مثل المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا التي منحت منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الاستراتيجية فرصة الحدّ من النزاعات الحدودية.
لكن الاهتمام بمنطقة القرن الأفريقي والمضائق البحرية قد زاد بشكل كبير مع نجاح إيران في تأمين مواقع لها عبر دعم الحوثيين للسيطرة على نقاط حيوية من الساحل اليمني، ما كان سيؤهلها للتحكم في حركة تصدير النفط والتحكم في حركة التجارة العالمية التي تمر عبر قناة السويس. واستدعى خطر التمركز الإيراني على جزء مهم من سواحل اليمن، وبشكل حاسم، تدخلات غربية عاجلة، خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا، عبر توجيه ضربات لمواقع الحوثيين والعمل على تفكيك قدرتهم على التحكم في مراقبة حركة التجارة العالمية.
وأفاقت دول عربية، ولو متأخرا، على أهمية هذه المنطقة، وبعد الإمارات التي عززت وجودها السابق ببناء علاقات ثقة مع دول القرن الأفريقي عبر دعم متعدد الوجوه، وخاصة بضخّ الاستثمارات ودعم الاستقرار وتحريك الوساطات لنزع فتيل التوترات، تحرّكت السعودية أيضا، وكان آخر مظاهر التحرك السعودي هو إرسال وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان إلى إثيوبيا ولقاء رئيس الحكومة آبي أحمد.
وتأتي زيارة الأمير فيصل بن فرحان إلى أديس أبابا ضمن مقاربة السعودية لحماية أمنها القومي وقطع السبل أمام المخاطر على حركة النفط في البحر الأحمر، وعلى أمنها بشكل مباشر. والبحث عن شراكة أمنية واقتصادية مع بعض دول القرن الأفريقي هو استمرار لجهود المملكة في حلّ الأزمة اليمنية وإبطال تأثيرها عليها، من ذلك فتح قنوات الحوار مع إيران ثم مع الحوثيين والنأي بالسعودية عن الحشد للحرب التي تلوّح بها أميركا وإسرائيل. وبالتوازي مع الدفع نحو حلّ سياسي يمني قابل للاستمرار، على مستويين، الأول داخل “الشرعية” اليمنية ولاحقا بين الحكومة المعترف بها دوليا والحوثيين.
بدورها تحرّكت مصر بشكل مستقل للدخول إلى الصومال ضمن خيار المناكفة مع إثيوبيا ومنعها من الحصول على منفذ على البحر الأحمر وإفشال اتفاقها مع جمهورية أرض الصومال الانفصالية، وعرضت القاهرة المشاركة في القوات الأفريقية المتمركزة في الصومال بالمئات من الجنود، كما أنها تتحرك بالتنسيق مع الصومال ومع تركيا.
وما كان يُعاب على مصر أنها تعاملت بشكل محدود مع توترات البحر الأحمر، ونظرت إليها من زاوية قطع الطريق أمام المكاسب التي قد تحصل عليها إثيوبيا من بوابة اتفاقها مع أرض الصومال، وتجنبت أي تحرك دبلوماسي يضغط على الحوثيين، الذين كان في أنشطتهم استهداف مباشر لقناة السويس والخسائر الكبيرة التي لحقت بها. واختارت القاهرة اللعب على الوقت وترك الصراع يأخذ مجراه بين الحوثيين وأميركا وإسرائيل على أمل أن يُحسم سريعا، لكن التوترات ما تزال مستمرة وخسائر قناة السويس في ارتفاع.
والمشكل الأكبر هنا أن الدول العربية المعنية بشكل مباشر بأمن البحر الأحمر وباب المندب وتعقيدات القرن الأفريقي تتحرك فرادى، وكل بلد ينظر إلى مصالحه ويتعامل وفقها دون تنسيق مع الشركاء العرب، ما جعل الأجندات تتعارض في كثير من الحالات وتفقد الدور العربي فاعليته، رغم امتلاك بعض الدول حضورا وازنا وإمكانيات كبيرة تسهّل عليها، في حال حصل تنسيق مشترك، أن تؤمّن استراتيجيا أمنها القومي.
ستكون السنوات القادمة محددة في تثبيت الحلفاء بالنسبة إلى دول القرن الأفريقي، ومع انكفاء دول تقليدية مثل بريطانيا وفرنسا، ستُفتح أمام العرب الأبواب لبناء نفوذ يحمي أمنهم القومي ويحوّلهم إلى قوة فاعلة في المنطقة
لو تمّ التأسيس لمنظومة تحرك عربي مشترك وشامل، مع وجود قدرات استثمارية كبيرة، فإن دول القرن الأفريقي لن تكون في حاجة إلى بناء تحالفات مع دول أخرى من القوى الصاعدة مثل تركيا أو إيران، ذلك أن البعد الجغرافي يعطي الأولوية للشراكات مع العرب، إلا أن المخاوف الأفريقية تتأتى من غياب الرؤية الاستراتيجية لدى بعض الشركاء العرب، والخوف من أن تكون الحاجة إلى الشراكة ظرفية أو تحتكم إلى المزاجية وردّات الفعل، في حين تتحرك تركيا على سبيل المثال وفق رؤية استراتيجية تؤسس لوجود دائم في القرن الأفريقي.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن التحرك التركي في القرن الأفريقي، وفي أفريقيا عموما، كان منذ البداية يركز على الأوجه الناعمة عبر تقديم المساعدات الإنسانية وبرامج التعليم والأنشطة الدينية التي تسعى إلى الإقناع بوجود أرضية ثقافية ودينية مع بعض الشعوب، ثم لاحقا بتقديم المساعدات الاقتصادية والمساعدة في تحسين البنى التحتية، وعقد اللقاءات الثنائية والجماعية وتبادل الزيارات.
ولا تطرح أنقرة نفسها كفاعل أمني فقط، بل كـ”شريك متعدد الأوجه”. ومن خلال اتفاقيات دفاعية مع دول مثل الصومال ونيجيريا وكينيا وليبيا، فتحت تركيا بابا لصادراتها الدفاعية، خاصة الطائرات دون طيار التي أثبتت فعاليتها في الحروب.
ولا تريد أن يثير وجودها أي توتر بينها وبين دول الإقليم، خاصة أن اتفاقيتها الدفاعية مع الصومال تحمّلها مسؤولية حمايته من أي تدخل خارجي، وهو ما دعاها إلى عرض الوساطة بين مقديشو وأديس أبابا لحلّ الخلاف بشأن الاتفاقية مع أرض الصومال، ولتبدو طرفا مقبولا، خاصة بالنسبة إلى إثيوبيا التي تعتبر القوة الإقليمية الأهم.
ويؤسس هذا الدور لصورة تركيا كوسيط يسعى لحلول “أفريقية للمشاكل الأفريقية”، على حدّ تعبير ألب آي، ممثل أنقرة في المفاوضات.
ودخلت إسرائيل مؤخرا إلى ملعب القرن الأفريقي من خلال بناء علاقة مع جمهورية أرض الصومال وتبادل الزيارات وعرض تقديم المساعدات، في رسالة واضحة تشير إلى أن إسرائيل تحتاج إلى التمركز في جنوبي البحر الأحمر بشكل مباشر أو في دول غير مشاطئة مثل إثيوبيا لتكون قادرة على التدخل بشكل سريع ضد أنشطة الحوثيين، وتعطي نفسها حرية أكبر في توجيه الضربات إليهم تكون أكثر فعالية من استهدافهم من مدن إسرائيلية.
وإذا كانت إيران في وضعها الحالي تعيش حالة انكفاء تدفعها إلى تأجيل مساعي التمدد الخارجي في أفريقيا، وخاصة القرن الأفريقي، فإن الأمر سيكون مؤقتا، خاصة أنها نجحت في بناء شبكات نفوذ في أكثر من بلد أفريقي وأسست أذرعا تابعة لها، وهي تستفيد من قنوات سبق أن وضعها حزب الله في سنوات سابقة داخل تجمعات من أصول لبنانية في وسط وغرب أفريقيا على وجه الخصوص.
ستكون السنوات القادمة محددة في تثبيت الحلفاء بالنسبة إلى دول القرن الأفريقي، ومع انكفاء دول تقليدية مثل بريطانيا وفرنسا، ستُفتح أمام العرب الأبواب لبناء نفوذ يحمي أمنهم القومي ويحوّلهم إلى قوة فاعلة في المنطقة، شريطة التحرك الجماعي والتخلي عن التنافس الثنائي الذي تتحكم فيه ردّات الفعل.




