هل نشهد انهيار النظام القديم الذي ربط ضفتي الأطلسي لعقود؟

يتجه القادة الأوروبيين إلى الاعتماد على أنفسهم في الدفاع بعيداً عن واشنطن. ما السبب؟ ولماذا تصدعت العلاقة بينهم وبين الولايات المتحدة الأميركية؟
كتبت Paul McLeary and Laura Kayali, في صحيفة “بوليتيكو” الأميركية:
أمضى القادة الأوروبيون والأميركيون ثلاثة أيام في التعهد بالتعاون، وعرضوا تحسين صورة العلاقات عبر الأطلسي، لكنّ التصدعات لا تزال ظاهرة.
تصدع الثقة بين الحلفاء
كانت الولايات المتحدة أقل عدائية مما كانت عليه قبل عام في ظهورها في مؤتمر “ميونيخ” للأمن، عندما شن نائب الرئيس جيه دي فانس هجوماً لاذعاً على أوروبا، لكن الاجتماع أظهر أنه بينما يستمر التحالف في العمل، فإن النظام القديم الذي ربط ضفتي الأطلسي لعقود انهار.
ولا يوجد إجماع حول كيفية تطوير العلاقة في ظل الصدمات المتكررة التي تتلذذ إدارة ترامب بإحداثها في النظام.
“لا أعتقد أننا سنمارس الأعمال كالمعتاد”. هكذا صرحت إيفيكا سيلينا، رئيسة وزراء لاتفيا، وهي دولة تعتمد على الحلفاء في أمنها، لموقع “بوليتيكو”.
قال أحد الرؤساء التنفيذيين الأوروبيين إن الأمر سيستغرق “جيلاً” لإعادة بناء الثقة التي فُقدت خلال العام الماضي، وذلك على الرغم من المحاولة الواضحة التي قام بها كبار المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا في “ميونيخ” للتخفيف من حدة الهجمات الأخيرة والتعهد باستمرار الوجود الأميركي في حلف “الناتو”.
“بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، نحن ننتمي إلى بعضنا البعض”. هذا ما قاله وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي حل محل فانس في مؤتمر هذا العام، وسط تصفيق مرتاح من القادة المجتمعين، لكنه صاغ نداءه من حيث الدم والأرض المألوفة لأنصار “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى”، استناداً إلى المصالح المشتركة (الاقتصادية في كثير من الأحيان)، وليس القيم المشتركة للديمقراطية وسيادة القانون التي حافظت على تماسك التحالف في العقود الماضية.
وقال روبيو: “نحن مرتبطون ببعضنا البعض بأعمق الروابط التي يمكن أن تشترك فيها الأمم، والتي تشكلت عبر قرون من التاريخ المشترك، والإيمان المسيحي، والثقافة، والتراث، واللغة، والأصل، والتضحيات التي قدمها أسلافنا معاً من أجل الحضارة المشتركة التي ورثناها”.
كيف تبدو العلاقة اليوم؟
كان رد القادة الأوروبيين مهذباً – فلا يريد أحد قطع الروابط المتبقية مع الولايات المتحدة التي باتت غير متوقعة بشكل متزايد، والتي لا تزال قواتها وأسلحتها النووية وقدراتها العسكرية تمنح القارة أمناً بالغ الأهمية ضد روسيا، لكن على هامش الحدث، قارن العديد من المسؤولين الوضع الحالي بعلاقة مسيئة يلقي فيها المعتدي باللوم على الضحية بينما يتأرجح بين العنف والكلام المعسول.
قال السيناتور الأميركي الديمقراطي روبن غاليغو إن العام الماضي كان مليئاً بتقلبات المشاعر بالنسبة إلى صناع القرار الأوروبيين.
وأضاف: “أشعر الآن وكأنني الحبيب أو الحبيبة السامة… وأوروبا تريدنا فقط أن نكون أفضل”.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنها “شعرت بالاطمئنان الشديد من خطاب وزير الخارجية”، واصفة إياه بأنه “صديق جيد” و”حليف قوي”.
وأكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن العلاقات مع واشنطن لا تزال قوية للغاية، وقال: “نعمل مع الولايات المتحدة في مجال الدفاع والأمن والاستخبارات على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع”.
وقد ردد الأمين العام لحلف “الناتو” مارك روته هذا الكلام في مقابلة أجريت معه في “بوليتيكو”: “أود أن أقول إن حلف الناتو هو الأقوى منذ سقوط جدار برلين”.
لكن القادة الأوروبيين يتجهون بشكل متزايد إلى الاعتماد على أنفسهم في الدفاع عن أنفسهم على المدى الطويل.
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس في “ميونيخ”: “لم يعد النظام الدولي القائم على الحقوق والقواعد موجوداً بالطريقة التي كان عليها في السابق”، على الرغم من أنه، مثله مثل قادة أوروبيين آخرين، لم يدعُ إلى قطع العلاقات مع الولايات المتحدة.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – الذي لم يذكر حلف “الناتو” ولو لمرة واحدة في خطابه – للحضور : “يجب أن تصبح أوروبا قوة جيوسياسية. علينا تسريع وتوفير جميع مكونات القوة الجيوسياسية: الدفاع والتكنولوجيات وتقليل المخاطر من جميع القوى الكبرى”.
قلق بشأن موثوقية المظلة النووية الأميركية
فرنسا وألمانيا والسويد تكسر المحظور وتبدأ محادثات مبدئية حول كيفية مساهمة الترسانة الذرية الفرنسية في أمن القارة، مدفوعة بالقلق بشأن موثوقية المظلة النووية الأميركية.
يفكر قادة آخرون بالطريقة نفسها؛ فقد قال الرئيس البولندي المؤيد لحركة “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” كارول ناووركي – الذي لم يكن حاضراً في “ميونيخ” – يوم الأحد إن تطوير وارسو للأسلحة النووية “هو المسار الذي يجب أن نسلكه” لصد “الاتحاد الروسي العدواني والإمبريالي”.
حتى ستارمر، الزعيم الأوروبي الأكثر تأييداً للولايات المتحدة، يتطلع إلى القارة، وقال: “لا أمن بريطاني بدون أوروبا، ولا أمن أوروبي بدون بريطانيا”.
يشعر قادة آخرون مؤيدون للولايات المتحدة بالقدر نفسه من عدم الاستقرار بسبب ما يحدث في واشنطن.
قال ألكسندر ستوب، رئيس فنلندا وصديق الرئيس دونالد ترامب: “لقد تغيرت السياسة الخارجية الأميركية”، واصفاً النهج الجديد بأنه مزيج من شعار “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” وشعار “أميركا أولاً”.
حاول المسؤولون الأميركيون في “ميونيخ” تجاوز الاضطرابات التي أحدثها ترامب، إذ أعلن السيناتور الجمهوري وحليف ترامب ليندسي غراهام: “من يهتم بمن يملك غرينلاند؟”.
وفي “ميونيخ”، كان من الواضح أن الأوروبيين ما زالوا يهتمون كثيراً.
وقالت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمير ستينرجارد على هامش القمة: “الجميع في حيرة من أمرهم”، بسبب إشارات إدارة ترامب بشأن السيطرة على الجزيرة.
ووصفت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن الضغط الأميركي المستمر بأنه “غير مقبول”، وحذرت قائلة: “سأقولها بهذه الطريقة: إذا هاجمت دولة من دول الناتو دولة أخرى من دول الناتو، فإن الناتو سينتهي. عندها ستنتهي اللعبة”.
وأعلنت ناتاليا بوزيريف، وهي مشرعة فرنسية تشغل مقعداً في لجنة الدفاع بالجمعية الوطنية، عن “أزمة ثقة” في القارة وسط قبول مستسلم بأن المزيد من الاستفزازات الأميركية لا تزال قادمة.
“نعلم أن قضية غرينلاند ستعود إلى الظهور، وكذلك الضغط على كندا. الأوروبيون ليسوا مستعدين لتولي زمام الأمور من الولايات المتحدة الآن: يعتقد المتفائلون أن الأمر سيكون سهلاً، لكن الواقعيين يعلمون أنه سيستغرق بضع سنوات”.
وقد دفع ذلك الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي إلى مستويات لم يشهدوها منذ الحرب الباردة، ما يلبي طلباً أميركياً قديماً، لكن هذه المرة، يتم تقييد جزء كبير من تلك الأموال بقيود تهدف إلى تركيز معظم الإنفاق على المجمع الصناعي العسكري الأوروبي نفسه، وذلك لتقليل الاعتماد على جهات خارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة.
ودعت فون دير لاين إلى إعادة إحياء ميثاق الدفاع المشترك الخاص بالاتحاد الأوروبي إلى جانب نسخة “الناتو”، بينما كرر مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس فكرته المتمثلة في إنشاء قوة رد فعل سريعة أوروبية تصل إلى 100 ألف جندي لتحل محل الجنود الأميركيين إذا تم سحبهم من القارة.
التحالف السابق انتهى
وعلى الرغم من التصريحات الأكثر دفئاً من مسؤولي الإدارة، لا يوجد إجماع في القارة حول كيفية النظر إلى الولايات المتحدة ووجهتها، حتى لو أعادت الانتخابات قيادة أكثر ودية إلى واشنطن. أمر واحد مُسلّم به على نطاق واسع، وهو أن التحالف الذي ساد بعد الحرب، كما كان عليه في السابق، قد انتهى.
لم يتبقَّ سوى القليل من الأوهام، كما يتضح من صعود روبيو على متن طائرة من “ميونيخ” إلى المجر وسلوفاكيا المواليتين لروسيا. وأفاد عدد من المسؤولين لموقع “بوليتيكو” أن الأوروبيين لم يغفلوا عن حقيقة أن روبيو لم يذكر روسيا وأوكرانيا إلا نادراً خلال خطابه.
وصرحت نائبة وزير الدفاع الفرنسي، أليس روفو، للصحافيين قائلةً: “نعلم أن العلاقات عبر الأطلسي ستشهد مزيداً من التقلبات”.
وأضافت: “لن تعود العلاقات كما كانت من قبل، فقد بدأ هذا التحول منذ زمن طويل”.




