هل نحن مستعدون لزمن “آسيا الجديدة”؟!

كتب محمد صابرين في صحيفة الأهرام.
يلقي محمد إبراهيم الدسوقي الخبير في الشئون الآسيوية بالسؤال الصعب في وجوهنا، ففي خاتمة كتابه الأخير “آسيا الجديدة” يقول لنا “إن الطرق كلها تقود إلى أن نجم آسيا الجديدة يوشك على البزوغ، وينتهز الفرصة لكي يتلألأ، فهل نحن مستعدون؟!”.
وأحسب أن الرجل الذي عاش في كوكب اليابان مراسلاً لجريدة الأهرام لسنوات، وتنقل في الدول الآسيوية، ومستندًا لخبرته الممتدة في الشئون الدولية.. وضع كل خبرته ليقول لنا أن عصرًا جديدًا يولد بالفعل، وأن ولادته عاصفة، ويرافقها أزمات، وتحديات، وأن أزمنة الحياد ربما قد ولت، أو أن الأمر بات صعبًا للحفاظ على “التوازن الاستراتيجي” بين القوى العظمى، الولايات المتحدة والمعسكر الغربي، في مقابل الصين وروسيا والمعسكر الشرقي، وينبهنا إلى أن آسيا تشهد صعودًا صاروخيًا للهند، وتحولات عميقة في كوريا الجنوبية وكوكب اليابان، وبروز مجموعة دول جنوب شرق آسيا “مجموعة الآسيان”.
وفي واقع الأمر أن نصف الجملة التي لم يقلها الكاتب الأريب هي أن النخبة العربية والمصرية “غربية الهوى”، وعميقة الثقافة بكل ما يحدث في أوروبا وأمريكا، وشديدة الاشتباك مع الغرب. ولكنها ليست مؤهلة بالقدر نفسه فيما يتعلق بالشرق الآسيوي. والإجابة عن سؤال الكاتب هي “بالقطع لسنا مستعدين بالقدر الكافي”.
وأحسب أن الاستعدادات باتت أمرًا ملحًا بالنظر إلى أن تجربة النمور الآسيوية، وتجربة الصين، هي أقرب لنا، وتقدم لنا أجوبة عن تحديات الفرص والمخاطر في دروب التنمية ومحاولات الاستقلال الوطني، والأهم أن هناك عالمًا آخر يتشكل بعيدًا عن الغرب، وطرقه وأفكاره، وآلياته، ومؤسساته، ونظرته للحياة والآخرين.
وأغلب الظن أن هذا هو ما أراد كاتبنا الكبير محمد إبراهيم الدسوقي أن يلفت انتباهنا إليه، ولكنه في فصول الكتاب أشار بقوة لما يريد، وخاصة عندما توقف أمام تجربة الصين الناجحة في عملية التنمية.
ويستعرض الكاتب بتركيز وبعمق أهم ملامح “آسيا الجديدة”، والنقطة المحورية لدى الدسوقي هي أن العالم يدخل “العصر الصيني”، وأن الدول الآسيوية باتت تتخذ خطوات ملموسة ومتسارعة للاستعداد لما وصفه بـ “العصر الصيني” القادم، في حين سيشهد “العصر الأمريكي” انحسارًا تدريجيًا.
ومرة أخرى يثير الدسوقي سؤالاً مهمًا وهو، هل يعني ذلك أن هذه الدول ستدور في فلك الصين الإستراتيجي، أو أنها ستصبح مجرد امتداد لأجندة بكين السياسية والاقتصادية؟! سؤال مهم، ويترقب الجميع سلوك الصين لرؤية هل هي مختلفة عن أي قوة عظمى سبقتها.
وفي الوقت نفسه تسعى الصين لنقل مركز الثقل الحضاري والسياسي إلى القارة الآسيوية، مستندة إلى قوتها السكانية والاقتصادية، وإلى طموحها في قيادة النظام العالمي في الألفية الثالثة.
وفي المقابل توقف الدسوقي عند اليابان وكوريا الجنوبية الركيزتين الأساسيتين لـ “آسيا الجديدة”، وقدم تصورًا دقيقًا تجاههما، ورؤية مستقبلية في كتابه للأسئلة: كيف تنظر طوكيو وسول لتعاظم دور الصين في العالم على كل الأوجه سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا؟
ومن ثم يُسلّط الضوء على أدوار القوى الآسيوية الرئيسية في صياغة «آسيا الجديدة»، وعلى رأسها اليابان باعتبارها ثالث أكبر اقتصاد في العالم وركيزة محورية في القارة، ويفسر التحولات الجذرية التي شهدتها سياستها الأمنية وعقيدتها العسكرية، واصفًا إياها بأنها تحولات غير مسبوقة منذ هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، ويرجعها إلى سلوك الصين المتزايد القوة والتطلع في شرق آسيا.
كما يتناول كذلك كوريا الجنوبية وسعيها إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية ودولية مؤثرة، مستفيدة من قوتها الاقتصادية وأدواتها الناعمة ذات الانتشار العالمي، في ظل التحديات الأمنية المرتبطة بالبرنامج النووي الكوري الشمالي.
ويرصد الخبير الكبير تحولات حادة على الساحة الدولية أبرزها ما أطلق عليه “تراجع خيار الحياد”، وأنها من الملامح الأساسية لهذه المرحلة، لا سيما في ظل سياسة الاستقطاب التي تنتهجها الولايات المتحدة والقوى الغربية.
ويشرح الدسوقي كيف حدث التراجع، كما هو الحال فى التوجهات الأخيرة لأستراليا، وعدد من دول المحيطين الهادئ والهندي، ولماذا لم يعد بمقدور العديد من الدول الآسيوية الأخرى اللجوء لمظلة الحياد الآمنة، وكيف كانت تميل فى السابق إلى الموازنة بين واشنطن وبكين، قبل أن تدفعها حدة الصراع إلى الانخراط الواضح فى تحالفات إستراتيجية.
ولا يغفل الدسوقي موقف الهند، التي تراقب عن كثب التحولات الجارية في موازين القوى العالمية، وتعيد صياغة سياساتها الخارجية والأمنية استعدادًا للانخراط في «آسيا الجديدة»، مع الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية في مواجهة الصين وباكستان، والاستفادة من ثقل جالياتها المنتشرة حول العالم.
وبالطبع يتوقف الكاتب عند مسألة مستقبل القارة الآسيوية، واحتمالات تشكّل نظام عالمي جديد، سواء في صورة تعددية قطبية أو ثنائية تقودها الولايات المتحدة والصين؛ إذ يرى الدسوقي أنه في ظل خروج آسيا من صراع عنيف، متعدد الأبعاد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن ثمة ميلاد نظام عالمي جديد يلوح في الأفق، وقد يتطور في نهاية الأمر إلى نظام متعدد الأقطاب يضم الولايات المتحدة وروسيا والصين، أو يستقر في شكل جديد من ثنائية القطبية تهيمن عليها واشنطن وبكين.
وفي نهاية المطاف فإن السؤال البريء، والمتعب في آن واحد للكاتب الكبير محمد إبراهيم الدسوقي: “هل نحن مستعدون لآسيا الجديدة؟”، لابد أن يقابل بسؤال آخر في المقابل: ترى ماذا تستفيد مصر من آسيا المتلألئة؟
وأحسب أن مصر يمكن أن تستفيد من آسيا الصاعدة عبر توظيف موقعها الجغرافي كبوابة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتعميق شراكتها مع القوى الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية في مجالات التصنيع ونقل التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، كما تمثل الاستثمارات الآسيوية فرصة لتطوير البنية التحتية، والمناطق الاقتصادية، والصناعات كثيفة العمالة، بما يدعم التشغيل والصادرات.
وعلى الصعيد السياسي، تتيح آسيا لمصر تنويع علاقاتها الدولية وتقليل الاعتماد على شركاء تقليديين، بينما يعزز التعاون التعليمي والثقافي والسياحي القوة الناعمة المصرية داخل مجتمعات آسيوية سريعة النمو.
ويبقى أن السياسة الخارجية المصرية باتت تولي اهتمامًا كبيرًا بآسيا عامة، وفي المقدمة جنوب شرق آسيا والنمور الآسيوية والقوى الثلاث الكبرى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، والدول الإسلامية مثل إندونيسيا وماليزيا، ولكن النخبة الاقتصادية والثقافية والعلمية والإعلامية ومراكز الأبحاث لابد لها من جهد أكبر في الانفتاح نحو الشرق. وهذا لعمري سؤال المستقبل.




