هل كتبت عن «ممداني» اليوم؟!

كتب حمدي رزق, المصري اليوم:
زُهران كوامي ممداني (18 أكتوبر 1991) سياسي وناشط اشتراكي أميركي من أصول هندية ومسلمة، انتُخب رئيسًا لبلدية مدينة نيويورك فى 4 نوفمبر 2025. سألنى صديق أريب إذ فجأة: هل كتبت عن «ممداني» اليوم؟!
لفتني السؤال المباغت الذي يحمل اتهاما جزافيا بالتولي يوم الزحف، سيما وأن طائفة عريضة من الكتّاب المصريين والعرب تسابقوا للفوز بقصب السبق احتفاء بفوز «ممداني» فى نيويورك، وأسهبوا تنظيرا في معنى الفوز المبين، وكأنه لتوه فتح الأندلس. وبلغ الخيال بنفر منهم، إخوان أو متأخونون على كبر، تصويرها وكأنها (غزوة نيويورك)، تهليل وتكبير، وبقى إعلان نيوريوك ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية التي تراودهم في أضغاث أحلامهم، أخشى أن ينادوا باسمه تاليا على المنابر في سوريا.
معذرة يا صديقي، تأخرت عن الكتابة عن زهران ممداني، التمس لأخيك سبعين عذرا، فحسب تريثت في الإجابة عن سؤال وجوبية الكتابة، حتى أطالع صورة زهران مع حاخامات اليهود ودعمه لجماعات المثلية الأميركية، وراجعت شعارات حملته لفتح نيويورك، والانتصار على الرئيس الأميركي دونالد ترامب والأخير استهدف زهران بلسانه السليط سياسيا. حفاوة الكتاب العرب والمصريين اتساق مع حالة الانبهار بكل ما هو غربي سيما أميركي، قدر ما تعبر عن شوق عارم للتغيير، وترسم زهران وفق خيالاتهم نبي التغيير الجديد المنتظر، والأنموذج الذي تدور حوله نظرياتهم العولمية للتغيير في الأمصار العربية والإسلامية.
وتبارى بعضهم تنظيرا في سرد حيثيات الفوز اليساري المبين على اليمين الأميركى المهيمن، وتقدم اليسار في معقل اليمين، وتأسيس للفكرة الزهرانية في فلسفات التغيير الكوني المرتقب.
گأني طاف بي ركب الخيال، وبلغ بهم الخيال مبلغه، وكيف يمكن استنساخ زهران في الحالة العربية، وعلى سبيل المكايدة السياسية تولت قنوات (رابعة وأخواتها) تصدير نموذج زهران إلى الحالة المصرية على سبيل تزجية الفراغ السياسى الذي هم فيه يعمهون. زُهران كوامي ممداني سلعة أمريكية قابلة للتصدير كـ”الكوكاكولا”، يعبون منها وبعدها يتجشأون فى تلذذ، لا هو نبي التغيير المنتظر، ولا مصلح اجتماعي صاحب نظرية كونية، ولا مفكر ثوري نوري على قول طيب الذكر «أحمد فؤاد نجم»، فضلا لم يعد بفتح عكا، ولم يناهض اليهود يوما، فحسب بعض التعاطف مع ضحايا المحرقة الإسرائيلية في غزة. لم يصنف يوما ضد «معاد للسامية»، بل يرفض المساس بقدسية السامية، ويعتبر لها، وفي الأخير أشواق العرب والمسلمين ليست في أجندته السياسية المعلنة.
زهران فحسب رئيس بلدية، بالمصرى (عمدة)، بالأحرى (محافظ على البعد)، مسؤول عن الشؤون البلدية، خدمات وما شابه.
مواطن أميركي خدمه ظرف سياسى محتدم أميركيا فى مواجهة الصرعة الترامبية، وقف في وجه ترامب، وقال بعكس ما يقول في بيئة أميركية مواتية، الرياح فى شراعه كما يقولون.
زهران- بضم العين- تعبير شبابي عن ملل أميركي من ثنائية (الحمار والفيل) الشهيرة، ثنائية الديمقراطي والجمهوري.
احتجاج شعبي أميركي محض على سياسات ترامب، صوت مغاير، لم يرق لمستوى التمرد الفكرى على الأفكار المؤسسة للهيمنة الأميركية، ولم يمد بصره خارج حدود ولاية نيوريوك، لم يبصر بعد الأندلس لفتحها.
الصادرات الأمريكية إلى العالم ومنها العالم العربي مشبعة بالدهون الفكرية، وترفع مستوى الكولسترول السياسي، لكنها لذيذة وشهية وتتعاطاها العقول العربية في حالة نشوة، وتغييب مريب عن ديناميات التغيير في المجتمعات العربية.. زُهران كوامي ممداني حالة انتشاء سياسية وقتية، ما تلبث أن تزول!




