أبرزرأي

هل شعر أحدكم بـ”عصر أميركا الذهبي” الذي وعد به ترمب؟

أشاد الرئيس الأميركي في خطاب حالة الاتحاد بالوضع الاقتصادي الممتاز… ولكن القلة فقط من العامة تشاركه رأيه

كريس بلاكهيرست  – اندبندنت عربية:

في خطاب حالة الاتحاد، روج ترمب لرؤية وردية للاقتصاد الأميركي تناقض الأرقام التي تظهر تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار. وبين مبالغات في التضخم والوظائف والاستثمارات، يتعامل الرئيس الأميركي مع السياسة كصفقة عقارية، فيما يبقى تأثير خطابه محصوراً بأنصاره لا يتجاوزهم.

هل ما زال مجدياً مقارنة ما يقوله دونالد ترمب بالواقع؟ فالأمر لم يعد يحدث أي فارق.

الرئيس الأميركي يعتقد أن كل ما يتفوه به صحيح. أما الذين يعلمون أن معظم ما يقوله ليس سوى حزمة أكاذيب – من أعضاء حكومته والجمهوريين وأنصار “ماغا” – فلا يجرأون على إبلاغه بعكس ذلك… والأسوأ أنهم يرفعون أصواتهم تأييداً له. فما الجدوى، إذاً، من التشكيك والجدل بالنسبة إلينا نحن الآخرين؟

هكذا بدا الحال في خطاب “حالة الاتحاد” الذي ألقاه ترمب، وهو الأول في ولايته الثانية.

إذ أعلن قائلاً “أمتنا عادت – أكبر وأفضل وأغنى وأقوى من أي وقت مضى”، قبل أن يمتدح ما وصفه بـ”التحول التاريخي”: “التضخم ينهار، والمداخيل ترتفع بسرعة”، كما أكد، لكن المدهش أن شريحة واسعة من الأميركيين لا تزال غير مقتنعة بأدائه الاقتصادي. فاستطلاعات الرأي، في هذا الجانب، تمنح ترمب تقييماً متدنياً على نحو مستمر.

تقول الوقائع إن التضخم انخفض بالفعل، نعم، لكن النمو تباطأ. ففي عام 2025 لم يجر خلق سوى 181 ألف وظيفة في الولايات المتحدة، مقارنة بالتوقعات التي أشارت إلى 584 ألفاً.

وعن إدارة جو بايدن قال ترمب: “سياساتها هي التي أوجدت الأسعار المرتفعة. نحن ننهيها بسرعة”. صحيح أن معدل التضخم تراجع إلى 2.4 في المئة الشهر الماضي، مقارنة بثلاثة في المئة في آخر سنوات عهد بايدن، لكن الأسعار كانت أصلاً في مسار تراجعي، بعد ارتفاع حاد تسبب فيه غزو روسيا أوكرانيا عام 2022، حين تسارع معدل التضخم عالمياً وبلغ ذروته في الولايات المتحدة عند 9.1 في المئة.

وبغرض تأكيد أنه، هو وحده، يجعل الحياة أكثر يسراً مالياً في أميركا، استشهد ترمب بقائمة من السلع الغذائية اليومية.

فقال إنه منذ تولى منصبه “انخفض سعر البيض بنسبة 60 في المئة” – غير أن منطقه هنا يبدو مشوشاً بعض الشيء. ففي مثل هذا الوقت من العام الماضي، وصل ثمن دزينة من البيض من الفئة الممتازة “أ” إلى نحو 8 دولارات، وهو أعلى مستوى تاريخي، بعدما تسببت موجة حادة من إنفلونزا الطيور في نقص الإمدادات. ومع عودة الإنتاج إلى طبيعته، تراجعت الأسعار (لا داعي لإعلام ترمب بأن إنفلونزا الطيور بدأت تتفشى مجدداً في المزارع الأميركية…).

ثم هناك اللحم البقري، الذي كان سعره “مرتفعاً جداً [لكنه] يبدأ بالانخفاض في شكل ملحوظ”. في الواقع، تراجعت الأسعار قليلاً في يناير (كانون الثاني)، بعدما كانت قد ارتفعت بنسبة 15 في المئة خلال الأشهر الـ12 الماضية – أي الأشهر التي أعقبت تنصيب ترمب. أما اللحم البقري المفروم، فارتفع سعره بنسبة 72 في المئة منذ عام 2020، وسجل لتوه مستوى قياسياً جديداً.

وعليه، عندما يقول ترمب وكتاب خطاباته إن سعر اللحم البقري ينخفض “في شكل ملحوظ”، فإن المسألة قابلة للنقاش. لكن، في الحقيقة، كثير مما قاله يقع في الإطار نفسه. وأضاف “سعر البنزين… هو الآن أقل من 2.30 دولار للغالون [3.78 ليتر] في معظم الولايات، وفي بعض الأماكن 1.99 دولار”. على أن بيانات “الرابطة الأميركية للسيارات” تشير إلى أن متوسط السعر الوطني يبلغ 2.95 دولار للغالون. وفي أوكلاهوما، حيث السعر الأدنى، يبلغ متوسط الغالون 2.37 دولار، أي بعيد من ما يزعمه ترمب (2.30 دولار)”.

اقرأ المزيد

استطلاع: أميركيون يشككون في تصريحات ترمب عن الاقتصاد

قلق عالمي من الدولار الأميركي… لماذا؟

لا شيء على ما يرام قبل إلقاء ترمب خطاب “حال الاتحاد”

تصدعات عالم الائتمان الخاص: هل يلوح شبح أزمة 2008 من جديد؟
وفي الوقت نفسه، يشير موقع “لايف غازبادي” Live GasBuddy الإلكتروني إلى أن أربع محطات فقط من أصل 150 ألف محطة وقود تعرض البنزين بسعر يقل عن دولارين للغالون – واحدة في أوكلاهوما وثلاث في تكساس.

ومن مفاخرات خطاب حالة الاتحاد أيضاً أن “عدد الأميركيين العاملين بات اليوم أكبر من أي وقت في تاريخ بلادنا”. مرة أخرى، ينبغي التشكيك في هذا الزعم.

نعم، كان 158 مليون شخص يعملون في أميركا حتى الشهر الماضي، وفق مكتب إحصاءات العمل الأميركي. لكن عدد السكان هو الأكبر أيضاً في تاريخ البلاد، إذ يتجاوز 342 مليون نسمة. وكانت نسبة من هم في سن 16 عاماً أو أكثر ويعملون 59.8 في المئة في يناير، مقارنة بـ60.1 في المئة عندما أصبح ترمب رئيساً للبلاد للمرة الثانية.

هل من رقم معين اختار تجاهله؟ إنه معدل البطالة، الذي أصبح الآن أعلى قليلاً مما كان عليه عندما غادر بايدن المنصب: 4.3 في المئة في مقابل 4.1 في المئة. ثمة تصحيح واجب هنا: وفق معيار ترمب، هل ينبغي ربما أن تقرأ كلمة “قليلاً” بوصفها “في شكل ملحوظ”؟

ومن أكثر تصريحاته إثارة للدهشة، في خطاب مليء بمثلها، قوله، “خلال 12 شهراً، حصلت على التزامات بأكثر من 18 تريليون دولار تدفقت من أنحاء العالم كلها”. تعالت الهتافات من أنصاره، لكن كيف يستقيم ذلك، بينما تشير حتى أداة الرصد والتتبع الخاصة بالبيت الأبيض نفسها إلى أن إجمالي “الاستثمارات الجديدة في التصنيع والتكنولوجيا والبنية التحتية الأميركية” منذ أصبح ترمب رئيساً في يناير 2025 يبلغ 9.7 تريليونات دولار – أي نحو نصف الرقم الذي ذكره في خطاب حالة الاتحاد؟

وخصص ترمب جزءاً كبيراً من خطابه الانفعالي الذي استمر ساعة و47 دقيقة لأحد هواجسه: الرسوم الجمركية، أو بالأحرى “رسومـه القوية التي تنقذ البلاد”، وهي السلاح المركزي في استراتيجيته الاقتصادية العالمية، والتي أبطلتها المحكمة العليا الأسبوع الماضي على نحو محرج.

جلس أربعة من قضاة المحكمة في الصف الأمامي بلا انفعال، بينما هاجم “تدخلهم المؤسف” و”حكمهم المخيب للآمال”. كذلك تجاهل أن اقتصاديين في جامعة هارفرد وجدوا أن رسومه الجمركية كانت مسؤولة عن رفع معدل التضخم العام لأسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 0.92 في المئة العام الماضي.

تكمن المشكلة في مثل هذه الخطب أنها لا تحدث أثراً فعلياً. فهو يوجه رسائله إلى مؤيديه المقتنعين سلفاً، فيما نكتب نحن للقراء الذين يشاطروننا الرؤية. لا شيء يخرق هذا الجدار السميك. ومع اقتراب انتخابات منتصف الولاية، سيواصل ترمب تكرار الخطابات ذاتها تقريباً، على أن تتضخم “إنجازاته” المزعومة، مع حلول نوفمبر (تشرين الثاني)، في مخيلته على نحو أشد غرابة.

في جوهره، يبقى ترمب رجل مبيعات. فهو يروج لنفسه بالطريقة ذاتها التي تسوق بها مشاريع العقارات الفاخرة في مانهاتن. لا فرق فعلاً. من يشاهد برامج تلفزيونية عن بيع العقارات في مانهاتن أو هوليوود أو حتى لندن، سيجد بها نسخاً مصغرة عن ترمب. فشعارات من قبيل “أكبر وأفضل وأغنى وأقوى” التي يتغنى بها ترمب عن نفسه أو عن بلده، ليست خطاب رئيس دولة، بل لغة سمسار يسعى لإتمام الصفقة.

في المقابل يكشف “الفحص الهيكلي” الثغرات. هل سيكون ذلك كافياً في النهاية لثني المشترين؟ سنرى.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى