
حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

تقدّم رئيس الجمهورية العماد جوزف عون بطلب واضح إلى اللجنة الخماسية للمساعدة في وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، واضعاً هذا الإطار الدبلوماسي أمام امتحان فعلي يتجاوز البيانات إلى الفعل.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تملك هذه اللجنة القدرة الحقيقية على التدخل، أم أنّ دورها سيبقى محصوراً في إدارة الأزمة لا حلّها؟
كما هو معروف، فإن هذه اللجنة تضم كلاً من الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر، وهي مجموعة نشأت أساساً لمواكبة الاستحقاقات اللبنانية السياسية، ولا سيما انتخاب رئيس للجمهورية ودعم الاستقرار المؤسساتي. غير أنّ توسّع مهامها ليشمل ملفاً أمنياً وعسكرياً بحجم المواجهة مع إسرائيل يضعها أمام تحدٍّ مختلف تماماً، يرتبط بتوازنات إقليمية معقّدة وبحسابات دولية تتجاوز الساحة اللبنانية.
تمتلك دول اللجنة أدوات ضغط متنوعة؛ فالولايات المتحدة تملك تأثيراً مباشراً على القرار الإسرائيلي، وفرنسا ترتبط بعلاقات تاريخية وسياسية وثيقة مع لبنان، فيما تحظى السعودية وقطر ومصر بأدوار إقليمية تسمح لها بلعب دور وساطة أو دعم سياسي ومالي. لكن امتلاك الأدوات لا يعني بالضرورة استخدامها في الاتجاه الذي يريده لبنان، خصوصاً إذا اصطدمت المصالح بحسابات أوسع تتعلق بأمن إسرائيل أو بالملف الإيراني أو بترتيبات إقليمية قيد التبلور.
إن تجربة الوساطات السابقة تشير إلى أنّ التدخل الخارجي غالباً ما يهدف إلى ضبط التصعيد ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، أكثر منه إلى فرض وقف دائم لإطلاق النار. وفي هذا السياق، قد تتمكن اللجنة الخماسية من تحريك قنوات اتصال عاجلة، وتكثيف الضغوط الدبلوماسية لاحتواء المواجهة، وربما الدفع نحو تفاهمات ميدانية مؤقتة. إلا أنّ قدرتها على انتزاع التزام إسرائيلي بوقف كامل للعمليات تبقى رهناً بمدى استعداد واشنطن لممارسة ضغط فعلي، وبمدى ارتباط التصعيد اللبناني بملفات إقليمية أخرى.
في المقابل، لا يمكن فصل دور اللجنة عن الواقع الداخلي اللبناني؛ فالمجتمع الدولي، بما فيه دول الخماسية، يربط عادةً أي تحرك سياسي أو أمني بإصلاحات داخلية وبضبط القرار العسكري. من هنا، قد يتحول طلب المساعدة إلى فرصة لإعادة طرح ملف السيادة وحصرية السلاح بيد الدولة، وهو ما قد يضع لبنان أمام استحقاقات داخلية موازية للمعركة الدبلوماسية.
كما أنّ اللجنة ليست هيئة تنفيذية تملك قوات على الأرض أو تفويضاً أممياً، بل إطار تنسيقي سياسي؛ وبالتالي فإن سقف قدرتها يبقى مرتبطاً بمدى تجاوب الأطراف المعنية، وبالغطاء الدولي الأوسع، ولا سيما في مجلس الأمن. وفي حال تعارضت مصالح الدول الخمس أو اختلفت أولوياتها، فإن حركتها قد تتباطأ أو تتجزأ.
لكن، مع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية التحرك الدبلوماسي في لحظات التصعيد؛ فمجرد وجود منصة دولية موحّدة تتابع الملف اللبناني قد يشكل عنصر ردع سياسي، ويمنح الدولة اللبنانية هامشاً للتحرك بدلاً من البقاء في موقع المتلقي للضربات. كما أنّ الضغط المتزامن من عواصم متعددة قد يخلق مناخاً دولياً ضاغطاً باتجاه التهدئة.
كل ما تقدم يشير إلى أنّ قدرة اللجنة الخماسية على وقف العدوان ليست مطلقة، لكنها ليست معدومة أيضاً؛ فهي قادرة على لعب دور الوسيط الضاغط والمسهّل، وربما على رعاية تفاهمات مرحلية، لكنها لا تملك وحدها مفاتيح الحرب والسلم. القرار النهائي يبقى رهناً بتقاطع الإرادات الدولية والإقليمية، وبمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات.
وبين الرهان على الدبلوماسية وخطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع، يقف لبنان مرة جديدة في قلب عاصفة تتجاوز حدوده، منتظراً ما إذا كانت السياسة قادرة هذه المرة على كبح نيران الميدان.




