هل تصبح السعودية وجهة العالم الجديدة

كتب صلاح الهوني, في العرب:
تمتلك السعودية أوراق قوة لا تتوافر مجتمعة لأي منافس آخر أولها الموقع الجيوسياسي الفريد في قلب العالم على مفترق أوروبا وآسيا وإفريقيا وثانيها الإرث الديني والحضاري.
تسعى المملكة العربية السعودية منذ إطلاق رؤية 2030 عام 2016 إلى إعادة هيكلة اقتصادها بعيداً عن الاعتماد شبه الكلي على النفط، ووضعت السياحة والترفيه في صدارة القطاعات غير النفطية الواعدة. الهدف الرسمي المُعلن طموح للغاية: رفع مساهمة القطاع من أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2019 إلى 10% بحلول 2030، وزيادة عدد الزوار الدوليين من 17 مليوناً إلى 100 مليون زائر سنوياً، ثم رفع الطموح مؤخراً إلى 150 مليوناً بحلول نهاية العقد. السؤال الجوهري الذي يواجه هذا التحول ليس فقط في إمكانية تحقيق هذه الأرقام، بل في ما إذا كانت السعودية قادرة على الانتقال من كونها محطة حج وعمرة موسمية إلى وجهة سياحية وترفيهية عالمية تنافس باريس ولندن ودبي وسنغافورة في الوقت نفسه.
الاستثمارات التي تخصصها المملكة لهذا القطاع غير مسبوقة في تاريخ المنطقة. يتجاوز إجمالي الإنفاق المُخطط في مشاريع السياحة الضخمة 1.3 تريليون دولار، تتصدرها نيوم (500 مليار دولار)، مشروع البحر الأحمر (أكثر من 20 منتجعاً فائق الفخامة على 28 ألف كيلومتر مربع)، القدية (مدينة الترفيه الأكبر عالمياً بتكلفة 10 مليارات دولار في مرحلتها الأولى)، إضافة إلى العلا ودرب زبيدة وتطوير الرياض كمركز ترفيهي عالمي. هذه المشاريع ليست مجرد بنى تحتية، بل محاولة لخلق نمط حياة جديد كلياً في قلب شبه الجزيرة العربية.
تمتلك السعودية أوراق قوة لا تتوافر مجتمعة لأي منافس آخر. أولها الموقع الجيوسياسي الفريد في قلب العالم، على مفترق أوروبا وآسيا وإفريقيا، مع أكثر من 400 رحلة جوية يومية تربط الرياض وجدة بالعواصم الكبرى. ثانيها الإرث الديني والحضاري: مكة والمدينة تستقبلان أكثر من 20 مليون زائر سنوياً، والعلا مدرجة على قائمة اليونسكو، ومدائن صالح والدرعية والحجر تُعد من أهم المواقع الأثرية في العالم. ثالثها القدرة على استضافة أضخم الفعاليات العالمية: موسم الرياض 2024–2025 جذب أكثر من 20 مليون زائر في أقل من ثلاثة أشهر، وسباق فورمولا 1 في جدة، وحفلات برونو مارس وريهانا ومتروبوليتان أوبرا في العلا، كلها إشارات واضحة إلى أن المملكة تمتلك الإرادة والمال والتنظيم لاستقطاب الصفوة العالمية.
السعودية تحاول شيئاً أكثر وطموحاً: أن تبني وجهة سياحية عالمية مع الاحتفاظ بهويتها الإسلامية والعربية كعنصر جذب أساسي. هذا الرهان هو ما يجعل تجربتها فريدة يمنحها ميزة تنافسية طويلة الأمد
لكن التحديات تبقى هائلة ومتعددة الأبعاد. أولها الصورة النمطية الراسخة في الوعي الغربي عن مجتمع محافظ ومغلق، وهو ما يحتاج إلى حملات إعلامية ضخمة ومستمرة لبناء علامة تجارية جديدة. ثانيها المنافسة الإقليمية الشرسة؛ دبي نجحت في أقل من ثلاثين عاماً في أن تصبح العاصمة الترفيهية للشرق الأوسط، وأبوظبي تسابق الزمن مع متحف اللوفر والفورمولا وجزيرة ياس. ثالثها مسألة الاستدامة المالية؛ معظم هذه المشاريع مموّلة من صندوق الاستثمارات العامة، وأي تراجع طويل في أسعار النفط قد يضع ضغوطاً مالية حقيقية على الجدول الزمني. أخيراً، وهو الأهم، التوازن الدقيق بين الانفتاح الثقافي والحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية الأصيلة، وهو توازن لم تنجح فيه أي دولة خليجية أخرى بشكل كامل حتى الآن.
مقارنة بالوجهات العالمية، تختلف السعودية جذرياً. دبي نجحت لأنها سوّقت نفسها كمدينة “ما بعد وطنية” خالية تقريباً من الهوية المحلية الثقيلة. باريس ولندن تبنيان على تراكم حضاري يمتد لقرون. أما السعودية فتحاول شيئاً أكثر تعقيداً وطموحاً: أن تبني وجهة سياحية عالمية مع الاحتفاظ بهويتها الإسلامية والعربية كعنصر جذب أساسي لا كعائق. هذا الرهان هو ما يجعل تجربتها فريدة، وقد يمنحها ميزة تنافسية طويلة الأمد إذا نجحت في صياغة نموذج «الترفيه الحلال الفاخر» الذي يجمع بين الفخامة العالمية والاحترام للقيم المحلية.
في النهاية، فإن السؤال “هل تصبح السعودية وجهة العالم الجديدة؟” لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا اليوم. الإجابة تعتمد على ثلاثة شروط حاسمة: استمرار الإصلاحات الاجتماعية والثقافية بوتيرة أسرع مما هو معلن، وضخ استثمارات غير نفطية حقيقية في التعليم والتدريب لتوطين الوظائف السياحية بدلاً من الاعتماد الكلي على العمالة الأجنبية، وبناء سردية إعلامية عالمية جديدة تجعل من السعودية ليست فقط مكاناً يُزار، بل تجربة حضارية لا تُضاهى. إذا نجحت المملكة في هذا التحول الثلاثي، فإنها لن تكون مجرد منافس جديد في سوق السياحة العالمية، بل ستكون قد أعادت تعريف مفهوم الوجهة السياحية في القرن الحادي والعشرين، وجهة تجمع بين عبقرية المكان وعبقرية اللحظة التاريخية.
السعودية اليوم ليست أمام فرصة اقتصادية فقط، بل أمام فرصة حضارية نادرة. فإما أن تنجح في تحويل صحرائها إلى جنة ترفيهية عالمية مع الحفاظ على روحها، وإما أن تبقى مجرد محطة موسمية للحجاج والمعتمرين. التاريخ يقول إن الرهانات الكبرى لا تفوز إلا بالجرأة الممزوجة بالحكمة، وهذا بالضبط ما يُطلب من القيادة السعودية في العقد القادم.




