هرمز.. اللحظة التي يُختبر فيها العالم

رائد برقاوي- الخليج:
يسود في عدد من العواصم الغربية تصور خاطئ وخطر مفاده أن أزمة مضيق هرمز هي في جوهرها أزمة نفط، هذا التفسير يبدو مريحاً لأنه يختزل المسألة في أرقام الإنتاج وأسعار الطاقة وحركة الناقلات، غير أن النفط ليس سوى الواجهة الظاهرة، أما في العمق فالقضية تتعلق باختبار حاسم لمعنى النظام الدولي نفسه، ولقدرته على حماية القواعد التي يقوم عليها: حرية الملاحة، واستقرار التجارة، ومنع استخدام الممرات الحيوية كسلاح سياسي.
كل يوم يبقى فيه مضيق هرمز رهينة لتهديدات طهران من دون رد حاسم لا يمثل صبراً استراتيجياً كما يُصوَّر أحياناً، بل يمثل تآكلاً تدريجياً في قوة الردع، إذ إن إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق كي تحقق مكسباً استراتيجياً، حيث يكفيها أن يفشل العالم في ضمان بقائه مفتوحاً.
هذا الفشل في حد ذاته، عندما يكون واضحاً وممتداً ومن دون رد، هو النتيجة التي تسعى إليها طهران، فالمكسب الحقيقي ليس تعطيل الملاحة، بل إثبات أن التهديد وحده قادر على فرض معادلة جديدة.
مثل هذا المشهد يبعث رسالة خطرة أن سياسة الإكراه قادرة على تحقيق نتائج، وأن دولة ما تستطيع أن تضع الاقتصاد العالمي تحت ضغط مباشر، بينما تنشغل أكبر قوة في العالم ومعها قوى العالم بالمداولات الطويلة والتحركات المحدودة من دون اتخاذ قرار حاسم. وعندما يرى الآخرون أن مجرد التهديد قادر على شل الإرادة الدولية، فإن شهية المغامرة لن تتراجع بل ستتسع.
ولا يمكن فصل تهديد الملاحة في المضيق عن نمط أوسع من السلوك الإيراني خلال السنوات الماضية، والذي تمثل أخيراً في استهداف البنية الأساسية في دول الخليج. فالهجمات على منشآت الطاقة وخطوط الإمداد والموانئ لم تكن مجرد رسائل عسكرية محدودة، بل كانت في جوهرها محاولة للضغط على شريان اقتصادي عالمي.
على العالم أن يدرك أن هذه المنشآت ليست بنية تحتية محلية تخص دول الخليج وحدها، إنها جزء من منظومة الطاقة والتجارة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. وعندما تُستهدف هذه المنشآت فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى المنطقة فقط، بل إلى الأسواق العالمية التي تعتمد على استقرارها واستمرار تدفقها.
ما يجري ليس نزاعاً إقليمياً بين دول الخليج وجارتها، إنه اختبار عالمي مباشر حيث اقتصادات أوروبا وآسيا والعالم النامي تعتمد بدرجات مختلفة على استقرار هذا الممر البحري الضيق. وعندما تتعرض الملاحة في مضيق هرمز للاضطراب تتوقف المصانع في شتوتغارت وميلان وبكين، وترتفع أسعار الطاقة في باريس ونيويورك وطوكيو، وتمتد موجات التضخم إلى اقتصادات قد لا يعرف كثير من سكانها حتى موقع المضيق على الخريطة.
هكذا يعمل الاقتصاد العالمي: سلسلة مترابطة يكفي أن يختل أحد مفاصلها حتى يشعر الجميع بالارتجاج.
على عواصم العالم ومعها واشنطن أن تدرك ما تدركه طهران جيداً: الفراغ الاستراتيجي قد يكون أخطر من الصواريخ والزوارق السريعة والخطابات التصعيدية، إذ إن السلاح الحقيقي في مثل هذه اللحظات ليس في ترسانة العتاد، بل في غياب القرار الحاسم، وكلما طال هذا الفراغ ازدادت الرسالة التي يبعثها وضوحاً.
وهذه الرسالة بسيطة وخطرة في آن واحد: يمكن ابتزاز النظام الدولي، ولن يقف أحد لوقف هذا الابتزاز، فإذا ترسخت رسالة الابتزاز للنظام الدولي فإن الخسارة لن تقتصر على ممر ملاحي حيوي، بل ستطول مصداقية الردع الدولي نفسها. وعندما تتآكل مصداقية الردع لن تستطيع أي حاملة طائرات، ولا أي بيان دبلوماسي، استعادتها بسهولة. الردع، مثل الثقة، ينهار ببطء ثم يختفي فجأة.
التاريخ يعلّمنا أن من يخلط بين صبر العالم وخوفه لن يدرك الفرق بينهما إلا بعد فوات الأوان.
وعلينا هنا في خليجنا العربي ألا نتوقف عن التفكير في المستقبل، في استمرار البناء واكتساب احترام العالم، كما فعلنا دائماً، فسياستنا على الضد تماماً من سياسة العدو، نحن بلدان تمد يدها بالسلام، ولم تفعل شيئاً طوال تاريخها إلا التعمير ومساعدة الآخرين، لم نتورط يوماً في مغامرات إيديولوجية، ولم نكن يوماً ظاهرة صوتية، دائماً ما نعمل بهدوء وفي صمت، ودائماً ما بهرنا العالم، وسنخرج من هذه الأزمة أقوى كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لنحقق انتصاراً فعلياً وملموساً بعيداً عن أنظمة لم تعرف في يوم ما التنمية، ولم تتوقف عن الجعجعة بلا طحن والشعارات البالية الفارغة، وتعودت على الخسارات المتتالية، وباتت تسعى إليها وربما تستمتع بها.




