نهاية عصر التدمير الأكيد المتبادل

الذكاء الاصطناعي وإملاءاته على الردع النووي
كتب سام وينتر-ليفي ونيكيتا لالواني, ي اندبندنت عربية:
على رغم أن الذكاء الاصطناعي قد يحسن قدرات أميركا على تعقب الأسلحة النووية وتعزيز الدفاعات الصاروخية، فإنه يظل مقيداً بعوائق تقنية وعملياتية. ويكمن الخطر الأكبر في ردود فعل الدول، بمن فيها الخصوم النوويون، عبر تسريع سباقات التسلح وزيادة خطر التصعيد. لذا على واشنطن دمج جهود خبراء الذكاء الاصطناعي مع الخبراء النوويين، فحص الثغرات في أنظمتها، وضبط خطابها لتفادي سباق خطر، مع الحفاظ على قنوات الاتصال مع القوى الكبرى لضمان الاستقرار.
مع التطور السريع في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة اقترح محللون كثر أنه سيقلب المشهدية السياسية الدولية والميزان العسكري بين القوى الكبرى. ووصل بعضهم إلى حد الزعم، وفق كلمات المتخصصين في التكنولوجيا دان هندريكس وإيريك شميدت وألكسندر وانغ، بأن الأنظمة المتقدمة في الذكاء الاصطناعي قد “ترسي هيمنة وسيطرة تامتين لدولة بعينها، فيضحى مصير خصومها رهن إرادتها”.
ولا ريب أن الذكاء الاصطناعي يمثل تكنولوجيا تغييرية من شأنها تمتين الأسس الاقتصادية والسياسية والعسكرية لقوة الدول. وفي المقابل، ليس من المحتم أن ينعم الفائز في سباق الذكاء الاصطناعي بالهيمنة على خصومه الرئيسين. وسوف تستمر قوة الأسلحة النووية التي جسدت الابتكار الأبرز في القرن الـ20، في تشكيل عقبة أمام التغييرات الكاسحة التي يحملها الذكاء الاصطناعي. وما دامت أنظمة الردع النووي في وضعيتها الراسخة، لن يتاح للمكاسب التي يولدها الذكاء الاصطناعي أن تعطي الدول إمكان إملاء خياراتها السياسية الكاملة على بعضها بعضاً. وتأتي أمثلة على ذلك في أن الاقتصاد الأميركي يفوق نظيره الروسي بـ15 ضعفاً، ويتخطى اقتصاد كوريا الشمالية بألف ضعف، لكن واشنطن ما زالت تجهد في دفع موسكو وبيونغ يانغ إلى فعل ما تريده منهما. ويعود ذلك إلى حد كبير، إلى ترسانتهما النووية.
وتقترح ثلة من المحللين أن التطورات في الذكاء الاصطناعي قد تتحدى تلك الآليات. وبغية التوصل إلى إطاحة الردع النووي، ينبغي بالذكاء الاصطناعي أن يطيح عموده الأساس المتمثل بقدرة الدولة في الرد على هجوم نووي بضربة نووية مزلزلة، وهو ما يعرف بمسمى “قدرات الضربة الثانية”. ومن المستساغ القول إن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قد تسهل على دولة ما تدمير الترسانة النووية لخصمها عبر “ضربة أولى مذهلة” بفضل التحديد الفائق الدقة لمواقع الغواصات النووية ومنصات إطلاق الصواريخ المتحركة. وربما استطاعت تلك التقنية تقوية الدفاعات الصاروخية إلى حد إعجاز الخصم عن إصدار تهديد موثوق بالرد. وإذا استطاع الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة مساعدة الدولة على الإفلات من شبح التدمير المؤكد المتبادل، فلربما توصل تلك التقنية الدولة إلى وضعية التفوق الحاسم في القدرة على تهديد الخصوم وإرغامهم على فعل ما تريده منهم. وتتوافق تلك الإمكان مع رؤى تكتسب شعبية متزايدة في شأن الهيمنة التي يعززها الذكاء الاصطناعي.
معاهدة “نيو ستارت” النووية لم تعد كافية
لكن تقويض التوازن النووي لن يكون سهلاً. فالتقنيات الناشئة لا تزال تواجه قيوداً حقيقية في المجال النووي. حتى أكثر أنظمة الاستهداف والاستشعار تطوراً والمدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تجد صعوبة في تحديد موقع قاذفة نووية متنقلة مخفية تحت جسر، أو عزل إشارات غواصة نووية عن ضوضاء المحيط، أو تنفيذ التدمير المتزامن لمئات الأهداف في البر والجو والبحر من دون أي مجال للخطأ. وسيرد المنافسون على استخدام خصومهم للتكنولوجيا الجديدة بتحركات مضادة لحماية أنظمتهم، كما فعلوا في كل مرحلة منذ بداية العصر الذري.
وفي المقابل، حتى إذا لم يتوصل الذكاء الاصطناعي إلى تحدي الردع النووي، فإنه قد يحفز عدم الثقة والأفعال الخطرة بين الدول المسلحة نووياً. وثمة خطوات عدة قد تتخذها الحكومات لحماية وتعزيز “قدرات الضربة الثانية”، لكنها قد تخاطر بتنبيه الخصوم، ما يحمل إمكان إطلاق سباقات تسلح خطرة ومكلفة. ويبقى من المحتمل أن تتوصل أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تخطي عتبة حاسمة في تطورها، بالتالي، ستظهر لديها مجموعة من القفزات الحاسمة في قدراتها. وحينما يحصل ذلك، ستضحي نقاط التفوق التي تقدمها إلى البلد الذي يمتلكها أكثر بروزاً وأشد استعصاءً حيال منافسة الخصوم لها.
ويجب على صناع السياسة مراقبة ذلك السيناريو، والعمل على تسهيل التواصل المنتظم بين الخبراء في حقلي الذكاء الاصطناعي والسلاح النووي. وفي الوقت نفسه يجب عليهم اتخاذ خطوات لتخفيض احتمال حصول حوادث وتصعيد. ويشمل ذلك أن يعمل صناع السياسة على تقييم الأنظمة النووية لجهة انكشافها وهشاشتها أمام الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى المحافظة على قنوات التواصل بين القوى النووية. وستتكفل تلك الخطوات في ضمان الاستقرار النووي وقدرته على التحمل في عصر الذكاء الاصطناعي، وعدم الاكتفاء بالحفاظ على الردع النووي المتبادل.
الضربة الأولى
يعتمد الردع النووي، في جوهره، على امتلاك الدول القدرة على الرد بعد تعرضها لهجوم نووي: فما دام قوتان نوويتان تحتفظان بصورة موثوقة بقدرة الضربة الثانية التي يمكن أن تلحق ضرراً غير مقبول بالخصم، فإن تنفيذ الضربة الأولى يعد انتحاراً. لقد حافظ هذا الفهم لعقود على توازن مستقر نسبياً. لكن قدرات الضربة الثانية ليست منيعة. يمكن للدول القضاء على منصات الإطلاق، مثل القاذفات الصاروخية المتنقلة والغواصات النووية، بشرط أن تتمكن من العثور عليها. وتعد صعوبة العثور على هذه المنصات وتعطيلها أحد العوائق الرئيسة أمام تنفيذ “ضربة أولى مذهلة”. فالحجم الهائل لكل من الصين وروسيا والولايات المتحدة والمحيط الأطلسي والمحيط الهادئ – وهي أهم المجالات في المنافسة النووية اليوم – يجعل تنفيذ مثل هذه الضربة أمراً بالغ الصعوبة.
ولكن، قد تحل تلك المسألة مع الصعود القوي لأنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع ما تحوزه من قوة في تحليل كميات هائلة من المعلومات، فإن قوة عسكرية مزودة بتقنيات ذكية متطورة تغدو في وضعية أفضل لاستهداف الأصول النووية لمنافسيها. وثمة مثل على ذلك تمثله المنصات البرية المتحركة للصواريخ النووية التي تشكل أحد المنصات التي تستند إليها “قدرات الضربة الثانية” لروسيا والصين. ومن المستطاع تحميل تلك الصواريخ على مركبات يمكن أن تتخفى وتموه وتختبئ تحت جسور أو في أنفاق، ثم تقاد من موقع متخف إلى آخر. والأرجح أن تلك الصواريخ تشكل العنصر الأصعب والأشد استعصاءً على الاستهداف، ضمن القوى النووية للروس والصينيين (على عكس ذلك، يسهل استهداف الصواريخ الباليستية المخبأة في الصوامع). ومع التحسن في سرعة ومستوى عمليات الاستخبارات المعززة بالقدرات التحليلية للذكاء الاصطناعي، قد يسهل أمر تنفيذ عمليات ضد تلك المركبات. وتقدر أنظمة الذكاء الاصطناعي على تجميع وتركيب كميات ضخمة من بيانات الأقمار الاصطناعية وطائرات الاستطلاع وأجهزة اعتراض الإشارات اللاسلكية، والمسيرات الشبحية الخفية، والمجسات المزروعة على الأرض، والاستخبارات البشرية. وبسرعة فائقة، يعمل الذكاء الاصطناعي على توليف تلك البيانات الهائلة لتحديد وتتبع القوات النووية المتنقلة بصورة أكثر فاعلية.
وحينما يتعلق الأمر بالبحار، يملك الذكاء الاصطناعي قدرة كامنة في تقنيات الاستشعار، مما قد يحول المحيطات إلى مساحات “مكشوفة”. ويتيح ذلك للحكومات أن تتبع الغواصات المحملة بالصواريخ الباليستية في الوقت المباشر. وتولي الولايات المتحدة اهتماماً خاصاً بذلك الأمر لأنها تضع صواريخها النووية في الغواصات بنسبة تفوق ما تفعله روسيا أو الصين. ويتكفل الذكاء الاصطناعي بتسهيل تعقب الغواصات عبر أتمتة التعرف إلى أنماط تحركاتها استناداً إلى بيانات تصله من مجسات منتشرة مناطق مكثفة من المحيطات، وتعمل عبر أمدية زمنية متطاولة. وتساعد تلك الأمور الدولة على الدخول إلى أنظمة يستعملها خصومها في تتبع أسلحتها أيضاً.
ومع ذلك حتى بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لن تكون الدول متأكدة تماماً من أن الضربة الأولى المثالية يمكن أن تقضي على قدرة الخصم على الرد. فعلى اليابسة، على سبيل المثال، يمكن للصين وروسيا أن تردا على تحسينات أنظمة التتبع الأميركية بإجراءات مضادة خاصة بهما. يمكنهما الاستثمار في أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية وقدرات التشويش. ويمكنهما اعتماد حلول تقليدية منخفضة التقنية، مثل تغطية الطرق بشبكات أو إنشاء أهداف وهمية، لزيادة عدد الأهداف التي يجب على المهاجم ضربها. كما يمكنهما تقليل الإشارات التي تصدرها القاذفات، مما يصعب على الولايات المتحدة تتبعها. ويمكن تعديل القاذفات لتتحرك بسرعة أكبر، مما يوسع نطاق الأهداف التي يجب أن تضربها الضربات الأميركية، بل ويمكنهما استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما لضخ معلومات خاطئة في القنوات التي تراقبها أجهزة الاستخبارات الأميركية.
وفي المجال البحري أيضاً، من غير المرجح أن يجعل الذكاء الاصطناعي البحار مكشوفة بالكامل. فأي نظام سيواجه صعوبة في تحديد وتعقب ومراقبة أهداف متعددة بصورة مستمرة وعلى مسافات طويلة، وسط الضجيج الطبيعي للمحيطات، بخاصة مع ازدياد هدوء الغواصات وازدياد ضوضاء البحار. تظل الغواصات، عند غوصها على أعماق كبيرة وبسرعات منخفضة، شديدة الصعوبة في الاكتشاف، نظراً إلى كيفية انتقال الصوت تحت الماء، وتغير الظروف البحرية، وضجيج البيئة البحرية نفسها. كما أن الإنذارات الكاذبة في البحر شائعة، والاتصال الموثوق بالأهداف نادر. وكما هو الحال في البر، تستطيع القوى الكبرى ترجيح الكفة لصالحها عبر إجراءات مضادة مختلفة: يمكنها التشويش على الإشارات، والتلاعب ببيانات المستشعرات، واستخدام مستشعرات تحت الماء ومركبات غير مأهولة لرصد أصول الخصم، وتشغيل غواصاتها داخل “معاقل” محمية قرب سواحلها. لذا سيظل الاكتشاف مسألة احتمالية، حتى مع إدخال الذكاء الاصطناعي، ومن غير المرجح أن تخاطر الدول بشن “ضربة أولى مثالية” ما لم تكن متأكدة تماماً من نجاحها.
القيادة والسيطرة
قد يمضي الذكاء الاصطناعي إلى أبعد من تيسير أمر العثور على أسلحة الخصم النووية وتدميرها، كي يصل ربما إلى تهديد أنظمة القيادة والسيطرة اللازمة لتسديد ضربة ثانية مضادة. وتتولى أنظمة القيادة والسيطرة المسؤولية عن تقصي الهجمات، والإبلاغ عنها إلى السلطات المعنية، ونقل أوامر الرد إلى القوات النووية. وينبغي بتلك الأنظمة امتلاك القدرة على التعرف إلى مروجة واسعة من الصواريخ، وتقييم مدى الدمار على الأرض، ونقل رسائل صغيرة عبر آلاف من الأميال تشمل أعماق المياه، إضافة إلى حماية القادة المسؤولين عن عملية اتخاذ القرار النووي. بالتالي، يفترض بالدول التي تسعى إلى إبطال عمل أنظمة القيادة والسيطرة توخي الحذر لأن التحركات المكشوفة لضرب أنظمة الخصم قد ينظر إليه الأخير بوصفه تمهيداً لهجوم نووي، ما يبرر مبدئياً اللجوء إلى رد انتقامي استباقي. وعلى غرار معظم مكونات الضربة الأولى المثالية، فإن ضرب أنظمة القيادة والسيطرة يتطلب، وفق كلمات الباحث جيمس آكتون، تدمير “تدمير أقصى عدد من المكونات مع أقل قدر ممكن من الإنذار”.
إن أجزاءً كثيرة من نظام القيادة والسيطرة النووية عرضة بالفعل للهجوم، وستزداد هشاشتها مع التطورات التكنولوجية الجديدة. فالهجمات النووية والتقليدية تستطيع تدمير المعدات الثابتة، مثل الرادارات وأجهزة الإرسال عالية التردد. ومع تحسن قدرات الذكاء الاصطناعي، قد يصبح من الأسهل تعقب مراكز القيادة المتحركة على الأرض، واستهداف نظيراتها الجوية بدقة أكبر. كما قد تصبح الأقمار الاصطناعية التي توفر الإنذار المبكر من الهجمات النووية أكثر عرضة للأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية المعززة بالذكاء الاصطناعي. وقد تمكن العمليات السيبرانية المتطورة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي الدول من اختراق شبكات القيادة والسيطرة لدى خصومها، وتعطيل أنظمة الإنذار المبكر، وإرباك عملية نقل الأوامر – وهو خطر قد يتزايد مع تحديث هذه الأنظمة وانتقالها من القدرات التناظرية والممتدة بأسلاك إلى القدرات الرقمية.
ومع ذلك فإن القضاء على نظام قيادة وسيطرة كامل بضربة واحدة لن يكون أمراً سهلاً، حتى مع امتلاك التكنولوجيا المتقدمة. ولقد مضت الدول بعيداً في جعل أنظمتها في القيادة والسيطرة مرنة ومطواعة، وتجمع بين إجراءات مضادة تقليدية موروثة وأخرى متطورة ومتقدمة. وعلى البر، تقع بعض مخابئ القيادة في الصين وروسيا والولايات المتحدة على عمق 700 متر في الأقل، محفورة في الصخر الصلب، وبعمق يكفل استمرارها حتى لو ضربت مباشرة بسلاح نووي كبير. وفي الفضاء، أرسلت كل القوى النووية الكبرى مئات أو آلاف من الأقمار الاصطناعية إلى مدارات حول الأرض، أو أنها توشك على فعل ذلك، مما يجعل من الصعب تدمير جميع أنظمة الإنذار المبكر والاتصالات في بلد ما. وفي الجو، يفرض تقوس الكرة الأرضية قيوداً على المسافة التي يستطيع الرادار تتبع مركز قيادة محمول جواً. أما في الفضاء السيبراني، فإن توجيه ضربة تعطل ترسانة السلاح يتطلب وصولاً مستمراً إلى أنظمة الخصم، ما ينطوي على خطر اكتشافه والرد عليه. وستبذل الدول أيضاً جهوداً كبيرة لمنع مثل هذه الاختراقات، على الأرجح باستخدام أنظمة دفاعية خاصة بها مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع تشغيل شبكات متعددة احتياطية. ونتيجة لهذه التحديات، يبدو من غير المرجح أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من تشكيل تهديد موثوق بالقضاء على أنظمة القيادة والسيطرة.
الدفاع ثم الدفاع
الخوف الأخير هو أن الذكاء الاصطناعي قد يضعف الردع النووي من خلال تحسين أنظمة الدفاع الصاروخي، مما يقلل من احتمالية نجاح الضربة الثانية ويجعل الضربة الأولى أكثر إغراءً. كثيراً ما كان إنشاء دفاعات قوية ضد الهجمات الصاروخية النووية مهمة صعبة للغاية. فروسيا والصين تمتلكان قدرات محدودة في هذا المجال، أما أنظمة الدفاع الأميركية فهي عرضة للأخطاء، وموزعة بصورة غير كافية، وغير قادرة على منع هجوم شامل من قوة نووية كبرى. يجب على هذه الأنظمة أن تنجز مهمة شبه مستحيلة: اكتشاف الإطلاق، وتتبع مئات الصواريخ التي تسير عبر الفضاء بسرعة تعادل 20 ضعف سرعة الصوت، وتقدير مساراتها المستقبلية، وتدميرها بواسطة صواريخ اعتراضية – وكل ذلك في أقل من 30 دقيقة، وهي مدة الطيران التقريبية لمعظم الصواريخ الأرضية بين الولايات المتحدة وروسيا أو الصين. وقد شبه مسؤولو الأمن القومي هذه العملية بمحاولة إصابة رصاصة برصاصة أخرى. ويجب أن تتم هذه العملية بصورة اقتصادية وعلى نطاق واسع، حتى لا يتمكن المهاجم من التغلب على النظام الدفاعي باستخدام عدد كبير من الصواريخ الأرخص.
وقد يثبت الذكاء الاصطناعي قدرته على تحسين بعض تلك القدرات. ومثلاً، قد تتوصل بعض خوارزميات تعلم الآلات من إعطاء تحليل سريع للبيانات الآتية من مجسات متعددة، بغية التمييز بين الرؤوس النووية الفعلية من الصواريخ التمويهية الزائفة، إضافة إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الفترة التي تلي انطلاق الصواريخ المعادية. وقد يتكفل التطور في برمجيات الكمبيوتر من تسهيل توقع مسارات الصواريخ. ويضاف إلى ذلك بفضل التقدم في علوم مواد الصناعة، قد يساعد الذكاء الاصطناعي في إنتاج صواريخ دفاعية أخف وأسرع وأذكى. بالتالي، يؤدي ذلك إلى جعل الأسلحة الدفاعية أرخص وأكثر قدرة على المناورة أثناء تحليقها.
ولكن، لن يحث أي من تلك التطورات بين ليلة وضحاها. ويستغرق تصميم المنظومات الدفاعية سنوات عدة، فيما لن يقف خلالها خصوم الولايات المتحدة مكتوفي الأيدي. ويكتسب المبادرون إلى الهجوم بميزات عديدة تشمل إطلاق صواريخهم من اتجاهات غير متوقعة، إرهاق وإثقال أنظمة الاعتراض عبر رشقات من الهجمات المنسقة التي تستخدم أعداداً أكبر من الصواريخ التمويهية، أو تستهدف مباشرة أنظمة دفاعية محورية. وفي حال تحقق احتمال بعيد بأن تصبح الدفاعات الصاروخية قوية لدرجة لا يمكن التغلب عليها، فقد تلجأ الدول إلى وسائل توصيل أكثر ابتكاراً على غرار تهريب أسلحة نووية صغيرة إلى أراضي العدو.
وستعتمد أنظمة الصواريخ الدفاعية المعززة بالذكاء الاصطناعي على خوارزميات تعلم الآلات التي تدرب مسبقاً على مجموعات ضخمة من البيانات الموثوقة تتعلق بإجراءات التمويه وأنظمة الصواريخ. ويملك خصوم الولايات المتحدة كل الدوافع لإخفاء بيانات من تلك الأنواع. وبالفعل، قد يحاول خصوم الولايات المتحدة تضليل خوارزميات الذكاء الاصطناعي عبر التلاعب باختبارات الصواريخ. وباختصار، حتى الدفاعات المعززة بالذكاء الاصطناعي ستواجه مجموعة من العوائق والقيود المادية والاقتصادية التي قد تستغلها قوى نووية متطورة.
لا شيء مسلماً به
حتى في ظل التغيرات التكنولوجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، من المفترض أن يظل الردع النووي قوياً. غير أن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا ينطوي على أخطار على الاستقرار النووي العالمي. فحتى إذا كانت التوقعات في شأن قوة الذكاء الاصطناعي تبالغ في تقدير قدراته الفعلية، فقد ترى الدول في ذلك تهديدات أكبر وتتخذ إجراءات قد تزعزع الاستقرار. فإذا اعتقدت دولة ما أن خصماً مزوداً بالذكاء الاصطناعي يستطيع بسهولة أكبر اكتشاف صواريخها، فقد تقرر زيادة عدد الرؤوس الحربية، ووضع مزيد من أسلحتها على مركبات متحركة يصعب رصدها، وتوجيه هذه المركبات للتحرك بسرعة أكبر، ومنح سائقيها سلطة أكبر على الإطلاق لتقليل الحاجة إلى الاتصالات بعيدة المدى التي قد تعترض. وإذا اعتقدت الدول أن أنظمة القيادة والسيطرة لديها معرضة لهجمات معززة بالذكاء الاصطناعي، فقد تسعى إلى تقليص عدد الخطوات المطلوبة لتنفيذ ضربة انتقامية. وهذه جميعها خطوات تزيد احتمال التصعيد ووقوع الإطلاقات العرضية، خصوصاً بالنسبة إلى الدول ذات الموارد المحدودة والخبرة القليلة في إدارة الأسلحة النووية، مثل الهند وباكستان.
وعلاوة على هذا الغموض المزعزع للاستقرار، يبقى هناك إمكان لأن تطور الدول أنظمة ذكاء اصطناعي أقوى بكثير قد تهدد أساليب الردع النووي بطرق لا يمكن التنبؤ بها الآن، خصوصاً إذا – كما يرجح بعض الخبراء – أصبح البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي مؤتمتاً بالكامل، مما قد يؤدي إلى قفزة مفاجئة في القدرات. ولا ينبغي لخبراء الأمن القومي أن يستبعدوا هذا الاحتمال، بل عليهم متابعة أي مؤشرات إلى حدوث قفزات سريعة في قدرات الذكاء الاصطناعي لدى الخصوم.
قد يشجع الذكاء الاصطناعي على انعدام الثقة بين الدول المسلحة نووياً
لكن حتى وإن كان الذكاء الاصطناعي أداة قوية، فإنه ليس عصا سحرية، والدول التي تسعى إلى استخدامه لنزع سلاح خصومها ستواجه حدوداً مادية وعملية ومؤسسية حقيقية. فالدولة التي تملك أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة ستظل في حاجة إلى حل عدد هائل من المشكلات شديدة الصعوبة قبل أن تفكر في توجيه ضربة قاضية لمنافس نووي، إذ يتعين عليها دمج الذكاء الاصطناعي المتقدم في بيروقراطيات عسكرية ضخمة – وهو أمر بالغ التعقيد – والعثور على وسيلة لاختبار هذه الأنظمة مسبقاً، وهي مهمة صعبة نظراً إلى ضرورة تجنب إثارة رد استباقي، وفي الوقت نفسه إجراء آلاف الخطوات بدقة شبه كاملة. ومهما بلغت درجة ذكائها، فلن تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي القفز على قوانين الفيزياء. ولا توجد أداة أو قدرة تضمن لدولة ما فرض إرادتها على أخرى: فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، كانت تملك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً ساحقاً على “طالبان” في أفغانستان، لكنها منيت بهزيمة واضحة بعد حرب دامت عقدين.
ولا ينبغي لأي من ذلك أن يدعو إلى الاطمئنان. فحتى إذا استمر الردع النووي، سيظل الذكاء الاصطناعي يغير مشهد الأمن القومي بطرق عديدة، بما في ذلك المساعدة في تطوير أسلحة مستقلة جديدة وتعزيز القدرات السيبرانية الهجومية والدفاعية. وستكون لهذه التطورات آثار كبيرة، حتى وإن لم تمنح أي دولة القدرة على فرض إرادتها على خصوم مسلحين نووياً. وقد يسهم الذكاء الاصطناعي أيضاً في إتاحة قدرات خطرة لشريحة أوسع، مما يخفض الحواجز أمام الجهات غير الحكومية والأفراد لبناء ونشر أسلحة بيولوجية أو كيماوية أو إشعاعية مدمرة. وهذه مجرد أمثلة على التحديات التي سيتعين على صانعي السياسات التعامل معها مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي.
وفي المجال النووي، لا ينبغي للمسؤولين الأميركيين التوقف بانتظار ما قد يجلبه التطور في الذكاء الاصطناعي. ويجب عليهم ضمان أن تشمل الآليات السياسية خبراء في الذكاء الاصطناعي يعملون جنباً إلى جنب مع نظراء لهم في الشأن النووي، مع تشجيع الطرفين على الانتظام في حوار ما زال غائباً حتى الآن في مجتمع الأمن الوطني. ويلزم الأمر أن ينهض المسؤولون الأميركيون بمراجعات مدققة للأنظمة النووية بهدف التثبت من نقاط الضعف التي قد يستغلها الذكاء الاصطناعي المتقدم، خصوصاً في الفضاء السيبراني، وتعميق حضور خبراء الذكاء الاصطناعي ضمن صفوف الحكومة الأميركية.
وينبغي للمسؤولين الأميركيين أن يتفحصوا بعناية كل الخلاصات المتعلقة بالحاجة إلى خوض سباق الذكاء الاصطناعي العام، أو أهمية أن تكون أميركا أول من يصنع سلاحاً ساحراً حاسماً لأن ذلك سيسرع المنافسة النووية الخطرة والمكلفة. وعبر حوارات عن الحد من التسلح، يجب على المسؤولين الأميركيين العمل على تعزيز الضوابط الأخلاقية والسياسية والقانونية المتصلة بقدرة الدولة على تسديد ضربة أولى مثالية أو اتخاذ خطوات تصعيدية.
إن نظام الردع النووي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لا يمكن اعتباره أمراً مسلماً به. ومع احتدام الخصومات السياسية وتزايد التنافس على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي بين القوى الكبرى في العالم، يصبح من الأهمية بمكان أكثر من أي وقت مضى الحفاظ على قنوات الاتصال والمسارات التي تقلل من خطر التصعيد غير المقصود والكوارث.
سام وينتر-ليفي هو زميل في التكنولوجيا والشؤون الدولية ضمن “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”.
نيكيتا لالواني هي باحثة غير مقيمة في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”. شغلت منصب المديرة للتكنولوجيا والأمن القومي في “مجلس الأمن القومي”. كما عملت مستشارة بارزة لمدير مكتب برنامج “الرقائق الإلكترونية” في وزارة التجارة الأميركية خلال إدارة بايدن. هل في النص اهانات؟




