رأي

نحو سياسة نفطية جديدة: فنزويلا تودّع «التشافيزية»؟

كتبت ريم هاني, في الأخبار:

أعلنت ديلسي رودريغيز عن سياسة نفطية جديدة قائمة على «الانفتاح» تجاه الخصوم والحلفاء على حدّ سواء. وإذ قوبل ذلك الإعلان بـ«إشادة» أميركية، أظهرت بروكسل ميلاً إلى بدء «مرحلة جديدة» مع كاراكاس، التي يبدو أنها تبتعد أكثر فأكثر عن نهج هوغو تشافيز.

في خطاب حول «حال الأمة»، الخميس، كرّرت رئيسة فنزويلا بالإنابة، ديلسي رودريغيز، الثيمات «المناهضة للإمبريالية» التي استخدمها أسلافها، كاشفةً حتى إن الرئيس المختطف، نيكولاس مادورو، شاركها في كتابة الخطاب، وذلك قبل ساعات من إلقاء القوات الأميركية القبض عليه. وفي رسالة تحدّ واضحة، ظلّلتها صورة معروضة لمادورو وزوجته سيليا فلوريس، أكّدت الرئيسة الفنزويلية أن حكومتها «لا تخشى خوض مواجهة دبلوماسية مع الولايات المتحدة»، قائلة: «نحن نعلم أنهم أقوياء جداً. وأنهم قوة نووية قاتلة، إلا أننا لسنا خائفين من مواجهتهم دبلوماسياً، من خلال الحوار السياسي». وفي خضمّ التبادل الدبلوماسي غير المسبوق بين كاراكاس وواشنطن، جزمت رودريغيز أنها «في حال ذهبت إلى واشنطن كرئيسة بالإنابة»، فإنها «ستذهب واقفة، مشياً، وليس زحفاً». كذلك، طلبت من الحاضرين تكريم «جميع الأبطال والبطلات الذين لقوا حتفهم في القتال» ضدّ الولايات المتحدة، التي وصفتها بـ«المعتدي الغازي»، مشيرةً إلى أن القبض على مادورو وزوجته سيليا فلوريس قد تجاوز الحدود، وترَك «وصمة عار على العلاقات بين واشنطن وكاراكاس».
على أنه بالنظر إلى جملة من الخطوات التي اتّخذتها الحكومة في كاراكاس أخيراً، يبدو أن رئيسة البلاد متمسّكة بتبنّي سياسة «الموازنة»، التي تجمع بين الخطاب القومي، وتبنّي سياسات تتماشى مع المطالب الأميركية – ولا سيما الاقتصادية منها -، والتي توحي التصريحات الأميركية، حتى اللحظة، بأن واشنطن «راضية عنها».

من جهتها، لا تزال زعيمة المعارضة الفنزويلية، ماريا كورينا ماتشادو، متمسّكة بسياسة «تملّق» الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والتي لا يبدو أنها ستؤتي ثمارها قريباً. وأعلنت ماتشادو، خلال لقائها ساكن البيت الأبيض، الخميس، أنها «قدّمت» ميدالية «جائزة نوبل للسلام» التي حصلت عليها لترامب. وعلى الرغم من إشادة الأخير بـ«اللفتة الرائعة» لماتشادو، «والتي تعكس الاحترام المتبادل»، فقد كانت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، تشيد، بالتزامن مع الاجتماع، بالحكومة المؤقّتة في فنزويلا بقيادة رودريغيز، مؤكدةً، في حديث إلى الصحافيين، أن المسؤولين الفنزويليين «كانوا متعاونين للغاية، واستجابوا حتى الآن لجميع مطالب الولايات المتحدة ورئيسها».

بالتوازي، تحدّثت تقارير عن نية كاركارس إرسال مبعوث إلى واشنطن للقاء كبار المسؤولين الأميركيين في اليوم نفسه الذي تزور فيه زعيمة المعارضة الولايات المتحدة، مشيرةً إلى أن السفير فيليكس بلاسينسيا، رئيس بعثة سفارة فنزويلا في المملكة المتحدة ووزير الخارجية السابق، يقوم بالزيارة بناءً على طلب من رودريغيز.
وفي وقت سابق، أجرى وفد أميركي برئاسة جون تي ماكنمارا، القائم بأعمال فنزويلا والمقيم في كولومبيا المجاورة، الجمعة، زيارة إلى كاراكاس من أجل الحصول على «تقييم أوّلي لإمكانية استئناف تدريجي للعمليات»، «من دون أن يلتقي مسؤولين فنزويليين»، فيما قالت فنزويلا إنها ستردّ بالمثل بإرسال وفد إلى واشنطن. ويأتي ذلك وسط حديث مصادر عن أن دبلوماسيين أميركيين زاروا كاراكاس لمناقشة إعادة فتح السفارة الأميركية، وهو ما أكّدته الخارجية الفنزويلية، منوّهةً إلى «بدء عملية دبلوماسية استكشافية مع حكومة الولايات المتحدة، تهدف إلى إعادة تركيز البعثات الدبلوماسية في كلا البلدين».

تؤكّد واشنطن أن المسؤولين الفنزويليين «كانوا متعاونين للغاية»

ولا يقتصر «التجاوب» الفنزويلي مع واشنطن، والذي عبّر عنه قول رودريغيز، في خطابها، إنه «يتمّ تشكيل سياسة جديدة في فنزويلا»، على ما تقدّم، بل إن الرئيسة الجديدة حثّت الدبلوماسيين الأجانب الحاضرين على إبلاغ المستثمرين في الخارج بالتغييرات الحاصلة، ودعت المشرّعين إلى الموافقة على إصلاحات قطاع النفط التي من شأنها تأمين وصول الشركات الأجنبية إلى احتياطيات فنزويلا الضخمة، مشدّدة على ضرورة «عدم الخوف من الدبلوماسية». وإذ تمثّل تلك الخطوات انحرافاً واضحاً عن السياسات السابقة لسلف مادورو، هوغو تشافيز، والتي أعطت الأولولية لسياسة التأميم بقيادة الدولة، فإن رودريغيز أجابت عن سؤال خلال كلمتها عن العلاقات الخارجية بالقول، إن «لفنزويلا الحق في إقامة علاقات مع الصين، ومع روسيا وكوبا وإيران، ومع جميع شعوب العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة أيضاً».
وعلى الرغم من «الانفتاح» الفنزويلي الأخير، فإن النظام في كاراكاس لا يزال مُحاصراً بالعقوبات الغربية، ومُقيَّداً بشبكة من الإجراءات التي تفرضها الولايات المتحدة على النظامَين المالي والنفطي، فيما يحتفظ الاتحاد الأوروبي، بدوره، بجملة من التدابير التي تستهدف 69 من زعماء البلاد، بمن فيهم رودريغيز نفسها، وتشمل تجميد الأصول، وحظر السفر، وحظر الأسلحة.
وفي مؤشّر إلى استمرار الحظر النفطي الأميركي، أعلن مسؤولون عسكريون، الخميس، أن الجيش الأميركي استولى على ناقلة نفط أخرى في البحر دعماً للعقوبات التي فرضها ترامب على فنزويلا. وقالت القيادة الجنوبية الأميركية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن مشاة البحرية والبحّارة الأميركيين صعدوا فجراً على متن «فيرونيكا»، وهي ناقلة نفط خام تشير السجلّات البحرية إلى أنها تبحر تحت علم غويانا.

أمّا على مقلب بروكسل، فتوحي المواقف الصادرة من هناك بأن مرحلة جديدة من العلاقات مع كاراكاس بدأت تتبلور؛ ففي حين كانت إسبانيا واحدة من الدول التي روّجت بقوة لنظام العقوبات، جادل وزير خارجيتها، خوسيه مانويل ألباريس، في مقابلة مع صحيفة «إل باييس» الإسبانية أخيراً، بأنه إذا اتّخذت فنزويلا خطوات نحو حلّ ديمقراطي، فإن «الشيء المنطقي» هو أن تبدأ هذه الإجراءات في الاختفاء. ومن جهتها، قالت إيزابيل سانتوس، وهي عضوة سابقة في البرلمان الأوروبي عن البرتغال ورئيسة «بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات» في عام 2021، في حديث إلى الصحيفة، إنها «فوجئت برؤية ديلسي رودريغيز تجتمع مع السفراء»، مضيفةً: «فنزويلا التشافيزية التي عرفتها كانت متقلّبة للغاية. كلّ شيء كان يعتمد على أي القطاعات تمتلك القوة الأكبر. عندما كانت العناصر الأكثر راديكالية تكتسب أرضية، كان كل شيء يُغلق».
على الضفة المقابلة، يترقّب البعض ما ستؤول إليه الأمور في البلاد بحذر؛ ومن بين هؤلاء، سفير أوروبي سابق خدم لعدة سنوات في كاراكاس، وأكّد للصحيفة نفسها أنّه «سيظل حذراً»، وذلك باعتبار أن اجتماعات مثل تلك التي تجري حالياً ليست سابقة من نوعها. وقال: «ديلسي تريد إرسال رسالة. فهي تصرّ على فكرة أن الوضع طبيعي، وأنه لا يوجد فراغ في السلطة، وأن التيار التشافيزي قد رصّ صفوفه، وهي تستعرض تلك السيطرة»، مضيفاً: «إنها تقول للعالم إنها تريد علاقات جيدة مع الجميع، ولكن يبقى أن نرى المرحلة الجديدة على الأرض».

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى