رأي

من وودرو ويلسون إلى ترامب

كتب حسان الأسود في صحيفة العربي الجديد.

يصفُ باحثون الرئيسَ الأميركي توماس وودرو ويلسون بأنّه مهندس ما يُمكن تسميتها “الأممية الليبرالية”. وقد تأثّرت رؤيته إلى العالم بنشأته خلال الحرب الأهلية الأميركية والصراع بين الشمال والجنوب، وما نتج منه لاحقاً من قضايا اجتماعية وسياسية. وُلد الرجل عام 1856، قبل اندلاع الحرب الأهلية بخمسة أعوام، وكان ابنَ قسٍّ مشيخي (Presbyterian)، ما عزّز النزعة الأخلاقية المثالية في نظرته إلى العلاقات البشرية، التي انعكست لاحقاً على نظرته إلى السياسة، إذ ربطها بالمبادئ والقيم، خصوصاً في سياسته الخارجية.
يُعدُّ ويلسون الرئيسَ الأميركي الوحيد الذي حصل على درجة دكتوراه الفلسفة (PhD) ما جعله الأكاديمي الأبرز في البيت الأبيض. درس في جامعة برينستون، ثم حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية والتاريخ من جامعة جونز هوبكنز. عمل أستاذاً مرموقاً ثم رئيساً لجامعة برينستون (1902- 1910)، فقام بإصلاحات تعليمية جذرية، وكتب مراجع مهمّة في الإدارة العامة والحوكمة، أهمها كتابه “Congressional Government”، وهو ما انعكس لاحقاً في مبادئه الأربعة عشر للسلام التي أطلقها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. بدأ مسيرته السياسية مباشرةً من القمّة، فانتُخب حاكماً لولاية نيوجيرسي عام 1910 بوصفه إصلاحيّاً تقدّمياً. فاز برئاسة الولايات المتحدة عن الحزب الديمقراطي. تميّزت فترته بتأسيس “نظام الاحتياطي الفيدرالي” (Federal Reserve)، وقوانين مكافحة الاحتكار، وبقيادة أميركا في الحرب العالمية الأولى.

كانت أميركا تخرج من عزلتها أيام ويلسون، وهي اليوم تملّ انفتاحها على العالم

وودرو ويلسون هو الرئيس الثامن والعشرون للولايات المتحدة، غالباً ما يضعه المؤرّخون ضمن العشرة الأوائل بسبب رؤيته الدولية العميقة وإصلاحاته الاقتصادية الكبرى. اعتمد على فلسفة “أن أمن الولايات المتحدة مرتبط بأمن العالم”. كانت مبادئه الأربعة عشر تهدف إلى إنهاء عصر الاستعمار وإرساء حقّ تقرير المصير. أراد إيجاد برلمان دولي لحلّ النزاعات سلمياً، فكانت عصبة الأمم، التي بقيت (رغم فشلها) إرثاً كبيراً من الأفكار، تجسّد لاحقاً بالنظام الدولي الجديد الذي اتفق عليه الحلفاء في بريتون وودز، ونتج منه ولادة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
على طرفٍ مقابلٍ للمثالية الأخلاقية عند ويلسون، يقف دونالد ترامب رمزاً للنفعية المباشرة. وُلد في حي كوينز بنيويورك عام 1946 لعائلة ثرية تعمل في العقارات، وهو يصغر ويلسون بـ90 عاماً. كان والده، فريد ترامب، مطوّراً عقارياً ناجحاً من أصول ألمانية، ووالدته ماري آن كانت مهاجرة من اسكتلندا، لكنّ هذا لم ينعكس على سلوكه اللاحق إيجابياً لناحية نظرته إلى المهاجرين في البلاد وتعاطيه مع ملفّ الهجرة. دخل أكاديمية نيويورك العسكرية في سنّ الثالثة عشرة بأمرٍ من والده لتهذيب سلوكه وتعليمه الانضباط. هناك، برز في رياضة البيسبول وتعلّم مبادئ القيادة والتنافس.
ركّز خلال دراسته الجامعية في الاقتصاد؛ فدخل جامعة فوردهام في برونكس، ودرس عامَين. انتقل لاحقاً إلى كلّية وارتون بجامعة بنسلفانيا، وهي من أرقى كلّيات إدارة الأعمال في العالم. تخرّج فيها عام 1968، وحصل على بكالوريوس العلوم في الاقتصاد. لم يلتحق بالخدمة العسكرية ولم يقاتل في فيتنام بسبب حصوله على تأجيلات طبّية. بدأ العمل مع والده، ثم استقل عنه وانتقل إلى الاستثمار في مانهاتن، وبنى “برج ترامب” (Trump Tower) عام 1983، وتوسّع في بناء الفنادق والكازينوهات وملاعب الغولف في غير بلد في العالم. أصبح وجهاً تلفزيونياً شهيراً من خلال برنامج الواقع (The Apprentice) “المبتدئ” الذي بدأ عام 2004، واشتهر بعبارته “You’re Fired” (أنت مطرود)، ويبدو أنّه أدمن هذه الصنعة، إذ شهد العالم طردَه عديداً من كبار رجال إدارته في فترة ولايته.
صعد مرشّحاً “شعبوياً” يخاطب الطبقة العاملة البيضاء، معتمداً على نقد “النُّخب” في واشنطن. هو الرئيس الـ45 في فترته الأولى، وأيضاً الرئيس الـ47 في ولايته الحالية التي بدأت في يناير 2025، وهو ثاني رئيس في التاريخ الأميركي يفوز بفترتَين غير متتاليتَين بعد غروفر كليفلاند. يرى أنّ المنظمات الدولية تستغلّ القوة الأميركية من دون مقابل عادل. يفضّل الاتفاقيات الثنائية على المعاهدات متعدّدة الأطراف، ويستخدم التعرفات الجمركية أداة ضغط سياسي واقتصادي. يميل إلى تقليص التدخّلات العسكرية الأميركية في الخارج (“الحروب التي لا تنتهي”)، وينتهج بديلاً منها سياسة العمليات الخاطفة المركّزة والتهديد إلى أقصى الحدود كما يفعل مع إيران حالياً. وقد أوضح هذا كلّه في استراتيجيته للأمن القومي الأميركي الصادرة في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2025.
على النقيض من ويلسون، يرى ترامب أن النظام الدولي الذي ساعدت أميركا على بنائه أصبح “عبئاً” عليها بدلاً من أن يكون أداةً لخدمتها. يتبنّى ترامب مبدأ التشكيك في التحالفات التقليدية والانسحاب من الاتفاقيات الدولية (سحب الولايات المتحدة أخيراً من 66 منظمة واتفاقية دولية). وبينما تأسّس نظام بريتون وودز للتجارة الحرّة والتعاون المالي الدولي انطلاقاً من مبادئ ويلسون الـ14 للسلام، نرى كيف يذهب ترامب إلى الحمائية الجمركية والاتفاقيات الثنائية بدلاً من التعدّدية الدولية، مدّعياً أن العولمة قد أضرت بالاقتصاد الأميركي، والصحيح أنه استنفد منافعها حتى الرمق الأخير، وبات يرى العودة إلى الجذور في مبدأ مونرو المطوّر؛ أي التركيز في النصف الغربي من الكرة الأرضية واعتبار القارّة الأميركية والمحيطَين الهندي والهادئ مجالاً حيوياً للولايات المتحدة.

على النقيض من ويلسون، يرى ترامب أن النظام الدولي الذي ساعدت أميركا على بنائه أصبح “عبئاً” عليها بدلاً من أن يكون أداةً لخدمتها

من السخرية بمكان أن النظام الدولي الذي يهاجمه ترامب اليوم (بما فيه الأمم المتحدة والبنك وصندوق النقد الدوليان) هو الثمرة المتطوّرة للبذور التي زرعها ويلسون. وبينما كان الأخير يحاول جعل العالم آمناً للديمقراطية، يبدو أن ترامب يرى أن “جعل أميركا عظيمة” يتطلب التحلّل من التزامات هذا العالم. ترامب لا يحطّم القواعد لمجرّد التحطيم، بل هو يعيد أميركا إلى فكر “الانعزالية” الذي كان سائداً قبل الحرب العالمية الأولى، وهو الفكر الذي حاربه ويلسون. يرى محلّلون أن ترامب هو “تصحيح” لتمادي الأممية التي أرهقت الخزانة الأميركية، بينما يراه آخرون “هدماً” لإرث استقرارٍ دام عقوداً.
بينما كان وودرو ويلسون يحلم بنظام عالمي تحكمه “القوانين” لا “القوة”، يرى دونالد ترامب أن القوانين الدولية كانت “قيوداً” فُرضت على أميركا بينما تحرّر منها منافسوها. لذا، يسعى ترامب لاستبدال نظام “تعدّد الأطراف” بنظام “تعدّد القوى”، إذ تملك أميركا اليد العليا في كل اتفاق ثنائي على حدة. هكذا ساعدت الهيمنة الأميركية على توفير منافع عامة من قبيل الممرّات البحرية المفتوحة، ونظام مالي عالمي مستقرّ، وأمن جماعي، ودعم لأطر تسوية النزاعات (بحسب قول رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مؤتمر دافوس 2026)، لكنّها مع ترامب تأتي اليوم لتسحب البساط من تحت الجميع، محاولة أخذهم رهائن لمصالحها القومية. كانت أميركا تخرج من عزلتها أيام ويلسون، وهي اليوم تملّ انفتاحها الواسع على العالم. وفي الحالتَين، لا يكتفي العالم بالتحية الأميركية، بل ينقلب رأساً على عقب بحثاً عن توازنه من جديد. وربّما تختصر المقولة المكسيكية هذه العلاقة بين أميركا والعالم (وليس أميركا والمكسيك فحسب): “يا لبؤس المكسيك! بعيدة جدّاً من الله، وقريبة جدّاً من الولايات المتحدة”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى