من عبود إلى البرهان: من يرسم مستقبل السودان؟

علي قاسم – العرب:
تصريح مسعد بولس بأن مستقبل السودان يجب أن يرسمه المدنيون لا الجنرالات أعاد مطلب الانتقال المدني إلى واجهة النقاش الدولي مؤكدًا أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا.
منذ استقلال السودان عام 1956، ظل الجيش حاضرًا في المشهد السياسي. البداية كانت مع انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، حين جرى تعليق الحياة السياسية وحل الأحزاب وفرض الحكم العسكري المباشر، وهو ما أدى إلى فقدان الشرعية وانتهى بثورة شعبية أطاحت به في عام 1964. لم يدم الحكم المدني طويلًا، إذ جاء انقلاب جعفر نميري في عام 1969 ليعيد السودان إلى قبضة الجيش، فبدأ بتجربة اشتراكية متأثرة بالمد القومي العربي، ثم انتقل لاحقًا إلى تحالفات متناقضة مع الإسلاميين والغرب، ما أضعف الدولة وأدخلها في انقسامات عميقة، خصوصًا مع اندلاع الحرب الأهلية في الجنوب، قبل أن يسقط هو الآخر في انتفاضة شعبية عام 1985.
لكن الانقلاب الأكثر تأثيرًا كان الانقلاب الذي قاده عمر البشير في يونيو 1989، حيث استمر حكمه ثلاثة عقود كاملة بتحالف بين الجيش والجبهة الإسلامية القومية. في عهده ارتبط السودان بالحروب الأهلية في الجنوب ودارفور، وبالعزلة الدولية نتيجة العقوبات الأميركية والأممية، وفقد ثلث أراضيه وموارده بانفصال الجنوب عام 2011، فيما تدهور الاقتصاد بشكل غير مسبوق وتفككت المؤسسات المدنية. وبعد سقوط البشير بثورة ديسمبر 2019 التي فتحت الباب أمام انتقال مدني، جاء انقلاب عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2021 ليجهض المسار الديمقراطي الوليد ويعيد السودان إلى دائرة الحكم العسكري، وهو ما أفقد القوى المدنية زخمها وأدخل البلاد في أزمة سياسية جديدة انتهت بانفجار الصراع في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
حصيلة هذه العقود من الحكم العسكري كانت تراكم الأزمات الاقتصادية، انهيار البنية التحتية، تفكك المؤسسات، وتكرار الحروب الأهلية. هذا الإرث الثقيل هو ما يجعل أي دعوة لانتقال مدني اليوم ليست مجرد مطلب سياسي، بل شرطًا أساسيًا لإنقاذ الدولة من الانهيار الكامل.
منذ استقلال السودان عام 1956 ظل الجيش حاضرًا في المشهد السياسي يطيح بالحكومات المدنية ويعيد تشكيل السلطة ما أدى إلى تراكم الأزمات وانهيار المؤسسات وتكرار الحروب الأهلية
اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 مثّل لحظة الانفجار الكبرى لمسار طويل من الأزمات السياسية والعسكرية. الصراع لم يكن مجرد مواجهة بين جيش وقوة شبه عسكرية، بل تحوّل سريعًا إلى حرب شاملة على السلطة والموارد والنفوذ. الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان اعتبر نفسه الوريث الشرعي لمؤسسات الدولة، فيما ظهرت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو كقوة موازية، لتصبح منافسًا مباشرًا للجيش في السيطرة على البلاد.
القتال خرج من العاصمة الخرطوم ليمتد إلى دارفور وكردفان ومناطق أخرى، وتحول إلى حرب على الذهب والأراضي الزراعية وطرق التجارة وحتى المساعدات الإنسانية. التدخلات الإقليمية زادت المشهد تعقيدًا، حيث حصل كل طرف على دعم مباشر أو غير مباشر من قوى خارجية، ما جعل النزاع جزءًا من لعبة نفوذ إقليمية ودولية.
النتيجة كانت كارثة إنسانية غير مسبوقة. أكثر من اثني عشر مليون شخص نزحوا داخليًا يعيشون في ظروف قاسية، فيما اضطر ثلاثة ملايين آخرين إلى عبور الحدود نحو دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان ومصر. المجاعة باتت تلوح في الأفق في مناطق دارفور وكردفان بعد أن انقطعت سلاسل الإمداد وتوقفت الزراعة، بينما انهارت الخدمات الأساسية من مستشفيات ومدارس وبنية تحتية.
هذا الواقع جعل السودان أقرب إلى دولة منهارة منه إلى دولة قائمة، حيث الوزارات مشلولة والقضاء غائب والاقتصاد في حالة انهيار كامل. الحرب الأخيرة لم تدمر فقط البنية التحتية، بل قضت على ما تبقى من مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل أي حديث عن مستقبل مدني ضرورة حياتية لا مجرد خيار سياسي.
تصريح مسعد بولس في مجلس الأمن الدولي يوم 19 شباط/ فبراير 2026 بأن “مستقبل السودان يجب أن يرسم معالمه المدنيون وليس الجنرالات” جاء في لحظة مشحونة سياسيًا وإنسانيًا. السودان يعيش منذ نيسان/أبريل 2023 حربًا مدمرة بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، وهي حرب لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى مواجهة شاملة على الموارد والنفوذ وسط انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة. أهمية التصريح تكمن في توقيته، إذ جاء بعد أشهر من طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخل في الملف السوداني، وفي وقت تتزايد فيه الضغوط على واشنطن للعب دور أكثر فاعلية في وقف النزاع. اختيار لغة “المدنيين وليس الجنرالات” يعكس رغبة إدارة ترامب الثانية في وضع خط أحمر ضد أي محاولة لإعادة إنتاج الحكم العسكري الذي هيمن على السودان لعقود.
التصريح يحمل دلالات متعددة، فهو يرفض بشكل صريح إعادة إنتاج الحكم العسكري، ويعيد مطلب الانتقال المدني إلى واجهة النقاش الدولي بعد أن توقف إثر انقلاب أكتوبر 2021. كما يوجه رسالة ضغط إلى الأطراف الإقليمية، ليؤكد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا أو تقسيميًا بل يجب أن ينبع من الداخل السوداني. في الوقت نفسه، يعكس التصريح إعادة تعريف للدور الأميركي في المنطقة، حيث تسعى إدارة ترامب إلى تقليل الالتزامات العسكرية المباشرة لكنها تريد الاحتفاظ بنفوذ سياسي عبر الضغط الدبلوماسي والاقتصادي.
ما يضيف إلى قوة التصريح هو شخصية مصدره. فمسعد بولس ليس دبلوماسيًا محترفًا، بل رجل أعمال لبناني–أميركي مقرب من ترامب، وله علاقات شخصية وثيقة مع قيادات خليجية. صدور التصريح منه يضفي طبقة من الجدية لأنه يعكس موقفًا سياسيًا مدعومًا من الرئيس نفسه، وليس مجرد رأي فردي. كما أن علاقاته الإقليمية تمنحه وزنًا إضافيًا في إيصال الرسائل إلى الأطراف الخليجية المتورطة في النزاع.
اندلاع الحرب في أبريل 2023 مثّل لحظة انفجار لمسار طويل من الأزمات حيث تحولت المواجهة بين الجيش والدعم السريع إلى حرب شاملة على السلطة والموارد والنفوذ
حين يقول مسعد بولس إن مستقبل السودان يجب أن يرسمه المدنيون، فإن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: من هم هؤلاء المدنيون في واقع اليوم؟ السودان بلد مزقته الحرب وتفككت فيه مؤسسات الدولة، ولم تعد القوى السياسية التقليدية قادرة على لعب دور جامع كما كانت في السابق. قوى الحرية والتغيير التي قادت الحراك الشعبي في 2019 فقدت الكثير من زخمها بعد انقلاب 2021، ولم تعد قادرة على تمثيل كل الأطياف السودانية. النخب الحضرية في الخرطوم، التي طالما تصدرت المشهد السياسي، باتت معزولة عن الأطراف الريفية والإقليمية التي تحمل عبء الحرب والنزوح. في المقابل، برزت أصوات جديدة من المجتمعات المحلية، ومن الشباب والنساء الذين يطالبون بدور أكبر في صياغة مستقبل البلاد، لكن هذه الأصوات ما زالت مشتتة وتفتقر إلى إطار سياسي موحد.
الغموض في تعريف المدنيين يجعل التصريح تحديًا أكثر منه حلًا جاهزًا. فواشنطن تدرك أن الدعوة إلى انتقال مدني لا تكفي وحدها، وأن نجاحها يتوقف على وجود قوى مدنية قادرة على التفاوض، وإدارة المرحلة الانتقالية، وبناء مؤسسات جديدة. ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الأميركية مصرة على وضع إطار سياسي مدني كشرط لأي تقدم في المفاوضات أو رفع العقوبات أو تقديم مساعدات كبيرة. التصريح بهذا المعنى ليس مجرد إعلان موقف، بل محاولة لدفع القوى السودانية إلى إعادة تنظيم نفسها، وإيجاد صيغة مدنية جامعة تستطيع أن تواجه الجنرالات وتفرض رؤيتها على المستقبل.
التصريح الذي أدلى به مسعد بولس لا يقتصر على الداخل السوداني، بل يحمل أيضًا رسالة إقليمية ودولية واضحة. خاصة الدول التي لعبت دورًا كبيرًا في دعم طرفي النزاع، فهي تواجه اليوم ضغوطًا متزايدة للحد من تدخلاتها، فيما يضع الموقف الأميركي حدًا لأي محاولة لفرض حل عسكري أو تقسيمي. هذا الموقف يعكس رغبة إدارة ترامب الثانية في تقليل الالتزامات العسكرية المباشرة للولايات المتحدة في مناطق النزاع، مع الاحتفاظ بنفوذ سياسي من خلال الضغط الدبلوماسي والاقتصادي. في الوقت نفسه، يضع التصريح المجتمع الدولي أمام مسؤولية جديدة، إذ لم يعد ممكنًا الاكتفاء بالإغاثة الإنسانية، بل بات مطلوبًا دعم انتقال سياسي مدني حقيقي.
بهذا المعنى، فإن موقف واشنطن لا يقتصر على إعلان رفض للحكم العسكري. والمطلوب ليس فقط وقف القتال، بل توفير إرادة جماعية لدعم المدنيين وتمكينهم من صياغة مستقبل البلاد. السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الأطراف الإقليمية والدولية مستعدة فعليًا لدعم هذا المسار، أم أنها ستظل تتعامل مع السودان كساحة للتنافس على النفوذ.
التصريح محاولة لإعادة وضع القضية السودانية على أجندة دولية تتجاوز حدود الإغاثة الإنسانية نحو التسوية السياسية. فالسودان الذي أنهكته عقود من الحكم العسكري والحروب المتكررة يحتاج اليوم إلى مسار مدني حقيقي يعيد بناء مؤسساته ويمنح مواطنيه فرصة لاستعادة دولتهم. السؤال لم يعد فقط ما إذا كان المدنيون قادرين على رسم المستقبل، بل ما إذا كانت الأطراف الإقليمية والدولية مستعدة لدعمهم فعليًا.
ShareWhatsAppTwitterFacebook




