من المواجهة إلى البراغماتية: كيف تعيد حكومة كارني الكندية ضبط علاقاتها مع الصين؟

كتبت وانغ مو يي, في الميادين:
بعض الدول الغربية يعيد صياغة سياساته تجاه الصين انطلاقاً من مصالحه الوطنية، وهو ما يسهم في تعزيز الاستقرار والتوقعات الإيجابية على الساحة الدولية.
في الفترة من الـ14 إلى الـ17 من يناير/كانون الثاني، قام رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بزيارة رسمية للصين، وهي زيارة يمكن وصفها بأنها ذات طابع “كسر الجليد”. فكارني هو أول رئيس وزراء كندي يزور الصين منذ عام 2017، ويسعى من خلالها إلى إعادة بناء العلاقات مع الصين، ثاني أكبر شريك تجاري لكندا بعد الولايات المتحدة.
التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ، في بكين يوم الـ16، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، وهو ثاني لقاء يجمع الزعيمين في أقل من ثلاثة أشهر، وكان أول هذه اللقاءات قد جرى في أكتوبر من العام الماضي في مدينة غيونغجو بجمهورية كوريا، وقد شكّل نقطة تحول في العلاقات الثنائية. كما أكد كارني في منشور له في وسائل التواصل الاجتماعي، أن كندا تعيد ضبط علاقاتها مع الصين بروح “استراتيجية وبراغماتية وحاسمة”.
وكجزء من هذا “إعادة الضبط”، عدّلت كندا سياستها تجاه السيارات الكهربائية الصينية. ففي عام 2024، وتحت تأثير مباشر من السياسة الأميركية، فرضت أوتاوا رسومًا جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، و25% على منتجات الصلب والألمنيوم، ما رفع العبء الضريبي الإجمالي على صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى كندا إلى 106.1%، وأسهم في تدهور العلاقات الثنائية بين البلدين.
وبموجب الترتيبات الجديدة، ستمنح كندا السيارات الكهربائية الصينية حصة سنوية تبلغ 49 ألف مركبة، تُطبَّق عليها تعرفة الدولة الأولى بالرعاية بنسبة 6.1%، من دون فرض الرسوم الإضافية البالغة 100%، على أن تزداد هذه الحصة تدريجيًا خلال السنوات المقبلة.
وقد وصفت الصين هذه الخطوة بأنها تحرك إيجابي من الجانب الكندي في الاتجاه الصحيح. ويأتي هذا في وقت يشهد فيه سوق السيارات الكهربائية في كندا تباطؤاً ملحوظاً، نتيجة إلغاء أو تقليص الإعانات الفدرالية والمحلية، ومحدودية الخيارات المتاحة للمستهلكين، إضافة إلى بطء وتيرة إنشاء البنية التحتية لمحطات الشحن. ووفقاً لبيانات هيئة الإحصاء الكندية، بلغ عدد المركبات عديمة الانبعاثات المسجلة حديثاً في الربع الثالث من عام 2025 نحو 45 ألف مركبة، بانخفاض قدره 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وفي مجال السيارات الكهربائية، تتمتع الصين بمكانة عالمية بارزة، إذ تمتلك صناعة متكاملة وسلسلة توريد ناضجة، إلى جانب ميزات تنافسية واضحة من حيث الكلفة والكفاءة والابتكار التكنولوجي. ويمكن للسيارات الكهربائية الصينية أن تُثري المعروض في السوق الكندية، وتخفض كلفة الشراء على المستهلكين، وتدعم أهداف كندا في خفض الانبعاثات والتحول في مجال الطاقة. أما بالنسبة للصين، فإن الانفتاح التدريجي للسوق الكندية يسهم في تعزيز الطابع الدولي لصناعة المركبات الكهربائية الصينية، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون بين البلدين في مجالات الاستثمار الصناعي، والتكنولوجيا، وتكامل سلاسل التوريد.
وفي المقابل، ستقوم الصين أيضًا بتعديل إجراءات مكافحة الإغراق التي يهتم بها الجانب الكندي فيما يتعلق ببذور الكانولا، والإجراءات المضادة للتمييز المتخذة ضد بعض المنتجات الزراعية والمائية الكندية. ويُعد تخفيف القيود المفروضة على بذور الكانولا أحد الأهداف الرئيسية لزيارة كارني، وقد رافقه في هذه الزيارة حاكم مقاطعة ساسكاتشوان، سكوت مو، وهي أكبر منطقة منتجة للكانولا في كندا. ويعكس ذلك أن قضية الكانولا لا تتعلق بالتجارة الثنائية فحسب، بل تمسّ بشكل مباشر الاقتصاد المحلي والمصالح الزراعية، وتحمل أهمية سياسية داخلية كبيرة لحكومة كارني.
وخلال الزيارة، وقّع الجانبان عددًا من الوثائق، من بينها «خارطة طريق التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين وكندا»، كما أصدرا «البيان المشترك لاجتماع قادة الصين وكندا». وأكد البيان دعم الطرفين لتعزيز التعاون في مجال الطاقة النظيفة، وتوسيع التعاون في استكشاف وتطوير موارد الطاقة التقليدية مثل النفط والغاز، إلى جانب استئناف الحوار الاستراتيجي رفيع المستوى في المجالين الاقتصادي والمالي، وإنشاء فريق عمل مالي مشترك. وقد شكّلت هذه التفاهمات إطاراً أولياً للتعامل مع القضايا الاقتصادية والتجارية الثنائية.
وتُعد هذه الزيارة الرسمية خطوة مهمة في مسار العلاقات الصينية–الكندية، التي تدهورت بشدة منذ عام 2018 عقب احتجاز المديرة المالية لشركة هواوي الصينية، منغ وان تشو، في كندا. ورغم أن الولايات المتحدة سحبت طلب تسليمها في سبتمبر 2021 وعادت إلى الصين بسلام، فإن العلاقات بين البلدين لم تعد إلى طبيعتها. وخلال فترة حكم جاستن ترودو، اتخذت كندا مواقف متشددة تجاه الصين، شملت حظر مشاركة شركتي هواوي وZTE في شبكات الجيل الخامس الكندية، وإطلاق “استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ”، ومرور سفن حربية كندية عبر مضيق تايوان. وفي هذا السياق، توقفت تقريبًا الاتصالات السياسية رفيعة المستوى بين البلدين، وتعطلت مشاريع التعاون، لتصل العلاقات الثنائية إلى أدنى مستوياتها.
غير أن كارني، منذ توليه رئاسة كندا، أظهر نهجًا دبلوماسيًا أكثر براغماتية ورغبة واضحة في إعادة بناء العلاقات. فقد التقى رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأوفد لاحقًا وزير الخارجية ومسؤولين كبارًا آخرين إلى الصين. وتشير هذه الخطوات إلى أن الحكومة الكندية الجديدة تتخلى عن عقلية المواجهة التي سادت في السنوات الماضية، وتسعى إلى إصلاح العلاقات من خلال خطوات عملية.
ويعكس هذا التحول، من جهة، إدراك القيادة الكندية الجديدة بأن سياسة المواجهة لا تخدم المصالح الوطنية، وأن التعاون هو الخيار الواقعي، ومن جهة أخرى، يمثل عودة الصين وكندا إلى مسار الحوار والتعاون.
وتُعد كندا من الدول التي تضم أكبر تجمعات للجاليات الصينية في الخارج. وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الصينيين المقيمين في كندا يتجاوز حاليًا 1.85 مليون نسمة، أي نحو 5% من إجمالي السكان، ومن المتوقع أن يتجاوز العدد 3 ملايين بحلول عام 2041.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الصين تُعد من أهم الشركاء التجاريين لكندا. وحتى في السنوات التي شهدت توترًا سياسيًا، لم تنقطع العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ووفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وكندا خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 نحو 588.62 مليار يوان صيني، منها صادرات صينية بقيمة 314.75 مليار يوان، وواردات من كندا بقيمة 273.87 مليار يوان. كما أن كندا كانت من أوائل الدول الغربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين الجديدة عام 1970، وأقامت معها شراكة استراتيجية في عام 2005. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، شهدت العلاقات الثنائية تعاوناً وثيقاً في مجالات الاقتصاد والتبادل الثقافي. ويمكن القول إن تحسين العلاقات الصينية–الكندية ينسجم مع إرادة شعبي البلدين ومصالحهما المشتركة، ويواصل المسار التاريخي للعلاقات الثنائية.
وفي الوقت نفسه، تعكس هذه الخطوة توجهاً متزايداً لدى بعض الدول الغربية لتحسين علاقاتها مع الصين. فقد كان المستشار الألماني أولاف شولتس أول زعيم غربي يزور الصين بعد الجائحة في نوفمبر 2022، تلاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أبريل 2023 برفقة مسؤولين من الاتحاد الأوروبي، سعيًا للتنسيق مع الصين بشأن قضايا من بينها الأزمة الأوكرانية، ثم عاد ماكرون لزيارة الصين في ديسمبر 2025 وشارك في سلسلة فعاليات من بكين إلى تشنغدو، ناقش خلالها مع الجانب الصيني قضايا الحوكمة العالمية والتعددية.
وتشير هذه التحركات إلى أن بعض الدول الغربية يعيد صياغة سياساتها تجاه الصين انطلاقًا من مصالحها الوطنية، وهو ما يسهم في تعزيز الاستقرار والتوقعات الإيجابية على الساحة الدولية. وقد دأبت الصين على تقديم نفسها كشريك عالمي مسؤول يسعى إلى الاستقرار والتعاون، وتدعو باستمرار إلى بناء علاقات أكثر براغماتية وتكاملًا، بما يدفع النظام الدولي نحو مسار أكثر توازنًا واستقرارًا.




