من الطائفية إلى الإنسانية: كيف أعادت الحرب تعريف الصراع في غرب آسيا؟

أحمد الدرزي – الميادين:
هل تستطيع الأنظمة العربية التي راهنت على التطبيع أن تتكيّف مع هذا التحوّل الكبير في وعي شعوبها؟ أم ستجد نفسها في عزلة متزايدة، بينما شعوبها تعيد اكتشاف بعضها البعض تحت راية فلسطين؟
كان من الملفت للنظر بعد اندلاع الحرب الصفرية المستمرة حتى الآن، اختفاء كبير لأدوات الحروب السابقة التي كانت تستخدم الإثنية (فرس-عرب-ترك-كرد)، والطائفية التي تعدّ الأشدّ فتكاً في الحروب الأهلية أو العابرة للحدود. بل شهدنا بداية تحوّل في رؤية الآخر، وإعادة رسم صورة نمطية مترسّخة تمّ العمل عليها داخلياً وخارجياً لعقود من الزمن، بل لقرون مديدة منذ أن بدأ الدين بالحضور الاجتماعي والسياسي في حركة الإنسان فرداً وجماعة. فما الذي دفع بفشل استخدام هذه الأدوات؟ وإلى أين تتجه البشرية في استخدام أدوات الصراع؟
لم تكن حرب غزة ثمّ الحرب الإيرانية-“الإسرائيلية” الأميركية مجرّد معارك عسكرية عابرة، بل كانتا بمثابة زلزال أخلاقي وسياسي أعاد تشكيل الوعي الجمعي في المنطقة والعالم. ما حدث بعد هذه الحروب قد يكون أهمّ من نتائجها الميدانية: سقوط سلاح الفتنة الطائفية الذي استخدمته الولايات المتحدة و”إسرائيل” لعقود لتفكيك المنطقة من داخلها، وظهور عدو حقيقي واحد، وإعادة اكتشاف المسلم لآخر المختلف دينياً، فوجد أنّ المساحة المشتركة بينهما أوسع مما كان يظنّ، وأنّ فلسطين ليست قضية المسلمين وحدهم، بل بوصلة لكلّ الإنسانيين.
سلاح الفتنة الطائفية.. كيف تمّ توظيفه؟
لسنوات طويلة، اعتمدت الولايات المتحدة و”إسرائيل” على استراتيجية “فرّق تسد” عبر تضخيم الخلافات المذهبية بين جناحي العالم الإسلامي. من غزو العراق 2003، إلى الحرب في سوريا، إلى اليمن ولبنان، استخدم هذا السلاح بنجاح كبير.
نجحت هذه الاستراتيجية لعقود في تشتيت الجهود العربية والإسلامية بعيداً عن الصراع المركزي الحقيقي، والسماح للتدخّلات العسكرية الغربية بالقبض على مفاصل الهيمنة والسيطرة للدول. الأمر الذي حوّل الأنظار عن العدو الحقيقي المتمثّل بالمشروع الصهيوني التوسّعي المدمّر للإنسانية.
حرب غزة.. اللحظة التي انكشف فيها كلّ شيء
في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، انطلقت عملية “طوفان الأقصى”، وردّت “إسرائيل” بحرب إبادة جماعية في غزة. للمرة الأولى، شاهد العالم كلّه – في بثّ مباشر – ما يعنيه “العدو الحقيقي”:
· أكثر من 70,000 شهيد فلسطيني، بينهم أطفال ونساء، خلال عامين.
· تدمير ممنهج للمستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة.
· تهجير قسري لمليوني فلسطيني تحت القصف.
· دعم أميركي-أوروبي كامل بلا حدود: أسلحة، غطاء سياسي، وفيتوات في مجلس الأمن، ليكونوا شركاء بجريمة كبرى تحت أعين العالم أجمع.
في هذه اللحظة، لم يعد ممكناً تصوير الصراع على أنه “سنة ضدّ شيعة”. الإبادة في غزة كانت تستهدف كلّ فلسطيني، بغضّ النظر عن دينه. مشاهد الأطفال الشهداء، والمستشفيات المدمّرة، والعائلات المهجّرة، كانت أكثر بلاغة من أيّ خطاب طائفي. بل إنّ عرباً مسلمين من المذهب نفسه كانوا شركاء في الجريمة تمويلاً ودعماً غير محدود.
إعادة اكتشاف الآخر.. المسلمون يكتشفون مسلمين
لطالما روّجت الدعاية الغربية والأنظمة العميلة لفكرة أنّ “الشيعة” هم العدو الداخلي للإسلام. لكنّ حرب غزة فتحت الباب لظاهرة غير مسبوقة: اهتمام واسع بالبحث عن العقائد الشيعية.
لماذا؟ لأنّ المشاهد من غزة أظهرت أنّ:
· حزب الله يقاتل على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية لدعم غزة.
· إيران تتبنّى القضية الفلسطينية سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً منذ نجاح ثورتها 1979.
· أنصار الله “الحوثيون” في اليمن يستهدفون السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر ويقصفون مدن “تل أبيب” و”إيلات”.
· على النقيض من الصمت العربي الذي وصل عند بعض قادته إلى التواطؤ على غزة وأهلها.
هذا التناقض دفع قطاعات واسعة إلى التساؤل: لماذا يقف “الشيعة” مع فلسطين أكثر من غيرهم؟ وما إن بدأ البحث عن إجابة، حتى اكتشف المسلمون – بمذاهبهم كافة – أنّ الفوارق العقائدية بين المذاهب أقلّ بكثير مما كان يظنون، والمساحة المشتركة (فلسطين، القدس، مقاومة الاحتلال) واسعة جداً. والعدو الحقيقي ليس من يصلّي بطريقة مختلفة، بل من يقتل الأطفال ويحتلّ الأرض.
أتت الحرب الأخيرة المستمرة لتعزّز هذه المسألة، بعد البدء الإجرامي للكيان الصهيوني ومعه الولايات المتحدة بها. رغم بعض التعابير الطائفية في مناطق ضيّقة، وخاصة بعد بضعة أيام من تتالي مفاجآت الحرب التي أظهرت استعداد أمة بأكملها (إيران) لحرب وجودية على مدى أكثر من أربعة عقود، لتكون أول دولة تخوض حرباً مع أميركا و”إسرائيل” لم تبادرهما أيّ دولة في العالم بمهاجمة أصولهما العسكرية والاقتصادية بشكل واضح وصريح وتحدٍ معاً.
مع انضمام حزب الله والحشد الشعبي وأنصار الله إلى الحرب، برزت صورة قوى مقاومة تنجز على الأرض ما عجزت عنه دول العالم الإسلامي على مدى ثلاثة قرون في مواجهة الغرب. الأمر الذي دفع للبحث أكثر عن المحتوى العقائدي لأطراف جبهة المقاومة، التي تعمل على إعادة الحياة لكلّ أطراف العالم الإسلامي من باب فلسطين المنتظرة لنتائج الحرب الحالية.
فلسطين.. بوصلة كلّ الإنسانيين
ما يميّز حرب غزة عن غيرها هو أنها كشفت الوجه الحقيقي للنظام الدولي. الإبادة التي حدثت لم تكن خافية على أحد؛ كانت تلفزيونية مباشرة. ومع ذلك، استمرّ الدعم الغربي لـ “إسرائيل” بلا توقّف.
هذا المشهد خلق استقطاباً جديداً في العالم، ليس على أساس مذهبي أو عرقي، بل على أساس أخلاقيتين: معسكر المجرمين ومعسكر المستضعفين.
تجلّى هذا الاستقطاب في:
· تظاهرات ضخمة في عواصم الغرب (لندن، باريس، نيويورك) تأييداً لفلسطين، رغم الحملات الإعلامية المعادية، وهي تعود من جديد في العالم بعد الحرب الإجرامية على إيران.
· مقاطعة أكاديمية وثقافية واقتصادية لـ”إسرائيل” في جامعات غربية كبرى.
· بعد رسمي بتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح وقف إطلاق النار، بأغلبية ساحقة ضدّ الإرادة الأميركية-“الإسرائيلية”.
فلسطين لم تعد قضية المسلمين وحدهم. أصبحت بوصلة الإنسانية: من يقف معها هو مع الحقّ والعدالة، ومن يقف ضدّها هو مع الاحتلال والإبادة.
ماذا بعد سقوط سلاح الطائفية؟
سقوط سلاح الفتنة الطائفية لا يعني نهاية الصراعات المذهبية بين عشية وضحاها. لكنه يعني أنّ هذا السلاح فقد فعّاليته الاستراتيجية. لم يعد ممكناً لأيّ طرف – غربياً أو عربياً – أن يبيع للشعوب أنّ “طائفة هي العدو”، بينما العدو الحقيقي (إسرائيل) يواصل التوسّع والقتل بغطاء غربي.
هذا التحوّل يفتح الباب أمام:
- تقارب إسلامي غير مسبوق: ليس بالضرورة سياسياً على مستوى الأنظمة، لكن شعبياً وثقافياً وفكرياً. الشعوب تكتشف أنّ القاسم المشترك بينها (فلسطين، القدس، مقاومة الهيمنة) أكبر بكثير من الخلافات المذهبية.
- إعادة تعريف “الآخر”: العدو لم يعد “الشيعي” أو “السني”، بل “المتطبّع مع إسرائيل” و”المتواطئ مع الإبادة”. هذه إعادة تعريف عميقة للصراع.
- عزلة الأنظمة المتطابقة: الأنظمة العربية التي راهنت على التطبيع مع “إسرائيل” تجد نفسها في موقف حرج. شعوبها لم تعد تقبل مبرّراتها، خاصة بعد أن رأت “الشيعة” يدافعون عن غزة أكثر مما تدافع هي.
- صحوة أخلاقية عالمية: الاستقطاب الجديد (مع المجرمين أم مع المظلومين) يتجاوز حدود المنطقة العربية. حركات التضامن مع فلسطين في الغرب تنمو بشكل غير مسبوق، وتكسر جدار “الخوف” من اتهام معاداة السامية.
من الطائفية إلى الإنسانية
ما حدث بعد حرب غزة ثم الحرب الإيرانية-الإسرائيلية هو تحوّل جوهري في الوعي الجمعي. سلاح الفتنة الطائفية، الذي استخدمته الولايات المتحدة و”إسرائيل” لعقود لتقسيم المنطقة، سقط عندما انكشف العدو الحقيقي: كيان استعماري توسّعي، مدعوم من الغرب، يمارس الإبادة بحقّ شعب أعزل.
المسلمون – سنة وشيعة – اكتشفوا أنّ المساحة المشتركة بينهم أوسع مما كانوا يظنّون. وأنّ فلسطين ليست قضية مذهبية، بل قضية إنسانية بامتياز. وأنّ الاستقطاب الحقيقي الآن ليس بين سني وشيعي، بل بين من يقف مع المجرمين ومن يقف مع المظلومين.
السؤال المتبقّي: هل تستطيع الأنظمة العربية التي راهنت على التطبيع أن تتكيّف مع هذا التحوّل الكبير في وعي شعوبها؟ أم ستجد نفسها في عزلة متزايدة، بينما شعوبها تعيد اكتشاف بعضها البعض تحت راية فلسطين؟
الأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا التحوّل سيبقى في حدود المشاعر الشعبية، أم سيتحوّل إلى سياسات جديدة تعيد تشكيل المنطقة من جديد. لكنّ المؤكّد أنّ الوعي الجديد الذي انبثق من هذه الحرب لن يعود إلى ما كان عليه قبلها. ففلسطين، بعد كلّ ما جرى، لم تعد قضية فلسطينية أو عربية أو إسلامية فقط، بل أصبحت محكّ الإنسانية: من يقف معها فهو مع الحقّ، ومن يقف ضدّها فهو مع الإبادة والاستعمار، والرهان الأوّل بذلك على عودة مصر وأزهرها وانكسار محور الجريمة.




