رأي

مناورات الصين حول تايوان كلغة سياسية

كتب عبد الحفيظ جمال, في الخليج:

لم تكن المناورات العسكرية الصينية الأخيرة حول تايوان حدثاً عابراً أو ردّ فعل ظرفي على تطور سياسي هنا أو زيارة رسمية هناك، بل تحول إلى نمط ثابت من السلوك الاستراتيجي بدأ يتطور في السنوات الأخيرة، ويحمل في طياته رسائل سياسية محسوبة بدقة. فبعيداً عن القراءة السطحية التي ترى في هذه التحركات استعداداً مباشراً لحرب وشيكة، تبدو المناورات أقرب إلى «لغة سياسية» تستخدمها بكين لإعادة رسم الخطوط الحمراء، وضبط سلوك الخصوم، وإدارة التوتر من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
في العلاقات الدولية، لا تتحرك الجيوش فقط عندما تُتخذ قرارات الحرب، بل تتحرك أيضاً عندما ترغب الدول في التفاوض من موقع قوة. من هذا المنطلق، يمكن فهم المناورات الصينية كأداة ردع نفسي وسياسي، تهدف إلى رفع كلفة أية خطوة قد تُفسّر في بكين على أنها تمس مبدأ «الصين الواحدة». فمحاكاة الحصار، والاقتراب من المجالين الجوي والبحري لتايوان، والتكثيف الإعلامي المتزامن، كلها عناصر تشكّل خطاباً غير مكتوب، لكنه واضح الدلالة.
الرسالة الأولى موجهة إلى واشنطن. فالصين تراقب المشهد السياسي الأمريكي بعين حذرة، خصوصاً في ظل احتمالات التغيير في القيادة الأمريكية وما تحمله من سياسات أقل قابلية للتنبؤ. في هذا السياق، لا تختبر بكين القدرات العسكرية الأمريكية بقدر ما تختبر حدود القرار السياسي الأمريكي واستعداده لتحمل كلفة التصعيد. المناورات هنا بمنزلة تذكير استباقي بأن تايوان تمثل خطاً أحمر استراتيجياً، وأن أية محاولة لتغيير قواعد اللعبة ستواجه بردّ محسوب، لكنه حازم.
أما الرسالة الثانية، فهي موجهة مباشرة إلى تايبيه. فالصين لا تبدو معنية في المرحلة الراهنة بإسقاط القيادة التايوانية بالقوة، بقدر ما تسعى إلى كبح طموحاتها السياسية ومنعها من اتخاذ خطوات أحادية الجانب نحو الاستقلال. الضغط العسكري المتكرر يهدف إلى التأثير في الرأي العام التايواني، وإعادة طرح سؤال الكلفة والفائدة، وتقليص هامش المناورة أمام النخب السياسية، خصوصاً في مواسم الانتخابات. الرسالة الضمنية واضحة: الحفاظ على «الوضع القائم» أقل كلفة من تغييره.
وفي مقابل ما تقوم به، ثمة ما تتجنبه الصين بوضوح. فالحرب الشاملة حول تايوان تحمل مخاطر اقتصادية واستراتيجية هائلة، في ظل تشابك المصالح العالمية وحساسية موقع الجزيرة في سلاسل الإمداد الدولية. كما أن دروس الحرب في أوكرانيا، وما ترتب عليها من عقوبات وعزلة، لا تزال حاضرة في حسابات القيادة الصينية. لذلك، تفضّل بكين إدارة التوتر عبر أدوات الضغط الرمادي، والمناورات المتكررة، والغموض الاستراتيجي، بدل القفز إلى مواجهة مباشرة.
في المحصلة، يبدو أن المشهد حول تايوان مرشح لمزيد من التصعيد المحسوب، حيث تستمر المناورات كلغة سياسية مهيمنة، تحلّ محل الدبلوماسية التقليدية من دون أن تلغيها. ويبقى الخطر الحقيقي ليس في حرب مخططة بعناية، بل في سوء تقدير أو خطأ في الحسابات، قد يحوّل رسائل الردع إلى شرارة أزمة أوسع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى