معبر رفح و«إبريق الزيت»!

«حكاية إبريق الزيت» يُضرب بها المثل للتعبير عن الدوران في حلقة مفرغة، أو الحكاية التي تبدأ ثم تعود إلى نقطة الصفر. إنها حكاية معبر رفح بين مصر وقطاع غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل منذ مايو(أيار) 2024، واستخدمته في حرب التجويع والإبادة ضد الشعب الفلسطيني، حيث أغلقته بالكامل ودمرت مبانيه، ومنعت آلاف الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية من العبور إلى داخل القطاع.
يعود معبر رفح إلى التداول اليوم، كأحد النقاط الواردة في المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي من المفترض استكمال تنفيذها بعدما نفذت حركة حماس وعدها بتسليم آخر جثة جندي إسرائيلي (ران غفيلي)، حيث قدمت كل المعلومات اللازمة التي مكّنت إسرائيل من العثور عليه.
كانت إسرائيل منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر(تشرين الأول) الماضي ترفض إعادة فتح المعبر بحجة عدم إعادة حماس لجثة آخر جندي إسرائيلي. لم تكن جثة الجندي هي السبب في عدم فتح المعبر، كان ذلك مجرد مبرر لعدم فتحه في إطار سعيها لاستكمال مخطط أهداف الحرب، وهو ما أشار إليه بيان حكومة نتنياهو صراحة بإعلانها فتح المعبر بشكل محدود ل«الأفراد فقط» وتحت «رقابة إسرائيلية كاملة»، وأشار البيان بشكل واضح إلى أن المرحلة المقبلة في غزة «ليست للإعمار إنما لنزع سلاح حماس». بمعنى آخر، استبدلت إسرائيل حكاية استرداد آخر جثة، بنزع سلاح حماس كشرط لإعادة فتح المعبر.
لقد قررت إسرائيل أنه في حالة فتح المعبر فإنه سيقتصرعلى الأفراد فقط، وسيبقى في القبضة الأمنية الإسرائيلية، ولن يتم السماح بعبور المساعدات الإنسانية التي تنتظر طوابيرها على الجانب المصري من الحدود منذ أشهر. حتى الأفراد سيكون عبورهم بموافقة إسرائيل، ووفقاً لأعداد محددة.
حتى هذه الخطوة المحدودة التي لا تعني شيئاً، رفضها وزراء حكومة نتنياهو المتطرفة، فوصفها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ب«الخطأ الكبير»، في حين رأت وزيرة الاستيطان أوريت ستروك أن إعادة فتح المعبر يعني «تسليم غزة للسلطة الفلسطينية». أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فكان له رأي آخر أكثر تطرفاً، وهو أن تفتح إسرائيل المعبر، وتعمل على ترحيل الفلسطينيين بالقوة من القطاع.
في الأساس، لم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار ولا بخطة ترامب، ولم تتوقف اعتداءاتها اليومية على أهالي غزة، حتى بعد العثور على جثة آخر جندي إسرائيلي واصلت اعتداءاتها على أكثر من منطقة في القطاع، وخصوصاً في مدينة غزة وجباليا والعديد من المخيمات، ونسف منازل وأحياء سكنية في المناطق الشرقية من القطاع.
لا شيء يضمن أن إسرائيل ستعيد فتح معبر رفح بالكامل أو توقف اعتداءاتها، فلا الولايات المتحدة في وارد فرض ما لا تريده حكومة نتنياهو، ولا الدول الضامنة لاتفاق شرم الشيخ تستطيع أن تلزم إسرائيل بتنفيذ الاتفاق.
وتستطيع إسرائيل تكرار «حكاية إبريق الزيت» متى شاءت وكيفما شاءت.. في مشهد عبثي مثير للأسى والحزن..
المصدر: الخليج




