مصر ترسم الخط الأحمر.. حين يصبح أمن العرب قضية مصر

د. إلهام سيف الدولة حمدان – بوابة الأهرام:
في أزمنة الاضطراب الكبرى، لا تكون الكلمات مجرد خطاب سياسي عابر، بل تتحول إلى إشارات إستراتيجية تكشف موقع الدولة ودورها في معادلات الإقليم. ومن هذا المنطلق جاء حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال مناسبة حفل الإفطار الرمضاني السنوي ليحمل رسالة سياسية واضحة وحاسمة: مصر ترفض بشكل قاطع أي استهداف للدول العربية في خضم الصراع المتصاعد بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
لم يكن هذا الموقف مجرد إعلان تضامن تقليدي، بل كان تأكيدًا على مبدأ راسخ في السياسة المصرية مفاده أن أمن الدول العربية ليس ملفًا خارجيًّا بالنسبة للقاهرة، بل جزء أصيل من معادلة الأمن القومي المصري ذاته. فالجغرافيا السياسية للمنطقة، كما يدرك صانع القرار في مصر، لا تسمح بفصل استقرار دولة عربية عن استقرار بقية دول الإقليم، لأن التهديد الذي يطرق باب دولة اليوم قد يصل إلى جيرانها غدًا.
الشرق الأوسط يقف اليوم على مفترق طرق شديد الحساسية. فالتوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على صراع سياسي أو خلاف دبلوماسي، بل يتصل بإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة.
وفي مثل هذه اللحظات، تصبح احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع أمرًا قائمًا، خاصة إذا امتدت تداعيات الصراع إلى دول أخرى في الإقليم. ولهذا تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة، قد يختل توازنها مع أي خطوة غير محسوبة.
في مثل هذا المشهد المضطرب يبرز الدور المصري بوصفه أحد أهم عوامل التوازن في الشرق الأوسط. فالقاهرة تدرك أن اتساع رقعة المواجهة لن يبقى محصورًا بين الأطراف المتصارعة، بل قد يتحول إلى تهديد مباشر لاستقرار دول عربية عدة، سواء عبر الضغوط العسكرية أو عبر التداعيات الأمنية والسياسية التي غالبًا ما ترافق الحروب الإقليمية. ومن هنا جاء التأكيد المصري الواضح على أن الدول العربية لا يجوز أن تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى أو إلى أهداف في صراع لا يخصها.
التاريخ السياسي للمنطقة يثبت أن أمن الدول العربية مترابط بصورة عميقة. فكلما اهتزت دولة في الإقليم، امتدت آثار ذلك إلى جوارها الجغرافي والسياسي. ومن هنا تنطلق الرؤية المصرية التي ترى أن استهداف أي دولة عربية لا يمكن التعامل معه بوصفه حدثًا منفصلًا، بل باعتباره خللًا في منظومة الأمن الإقليمي بأكملها. فالأمن العربي، في جوهره، شبكة متداخلة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وأي محاولة لتمزيق هذه الشبكة تفتح الباب أمام فوضى يصعب السيطرة عليها.
هذا الإدراك هو ما يفسر تأكيد مصر الدائم على أن التضامن العربي ليس مجرد شعار سياسي، بل ضرورة وجودية في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية وتتنازعها حسابات القوى الكبرى. فحين تتعرض دولة عربية للضغط أو التهديد، فإن تداعيات ذلك لا تقف عند حدودها، بل تمتد لتطال استقرار المنطقة بأسرها، بما تحمله من توازنات دقيقة ومصالح متشابكة.
لم يكن الدور المصري في الدفاع عن استقرار العالم العربي وليد اللحظة. فمنذ عقود طويلة، لعبت القاهرة دورًا محوريًّا في صياغة التوازنات الإقليمية، مستندة إلى ما تمتلكه من ثقل سياسي وثقافي وإستراتيجي جعلها أحد الأعمدة الرئيسية للنظام العربي. وفي الأزمات الكبرى، كثيرًا ما كانت مصر تميل إلى خيار حماية الاستقرار الإقليمي بدلًا من الانجراف إلى صراعات المحاور، إدراكًا منها أن المنطقة التي أنهكتها الحروب لعقود طويلة لا تحتمل مغامرات جديدة قد تدفعها نحو مزيد من الفوضى.
السياسة الرشيدة لا تقوم فقط على الدعوة إلى التهدئة، بل على القدرة أيضًا على رسم حدود واضحة لما هو مقبول وما هو مرفوض. والموقف المصري في هذه القضية يجمع بين هذين البعدين؛ فهو يدعو إلى تجنب التصعيد الإقليمي، وفي الوقت ذاته يعلن بوضوح أن الدول العربية ليست ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية. هذه الرسالة تحمل في طياتها بعدًا ردعيًّا بقدر ما تحمل من حكمة سياسية، لأنها تذكر الجميع بأن المنطقة ليست فراغًا إستراتيجيًّا يمكن العبث بتوازناته دون حساب.
في عالم يموج بالصراعات الموّارة وتتصاعد فيه المنافسات بين القوى الكبرى، يصبح الحفاظ على الاستقرار إنجازًا سياسيًّا في حد ذاته. ومصر، بحكم تاريخها ومكانتها الإقليمية، تدرك أن مسئوليتها لا تقتصر على حماية حدودها الوطنية فحسب، بل تمتد إلى المساهمة في حماية التوازن الإقليمي الذي يمثل الضمان الحقيقي لأمن المنطقة.
من أجل هذا فإن الرسالة التي خرجت من القاهرة لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبيرًا عن رؤية إستراتيجية ترى أن العالم العربي لا يمكن أن يظل ساحة مفتوحة للحروب المتكررة. فالدول التي تعرف قيمة الاستقرار لا تنتظر اشتعال الحرائق حتى تتحرك، بل تسعى إلى منعها قبل أن تمتد نيرانها إلى كل الاتجاهات.
لقد بدا الموقف المصري واضحًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية: مصر لا تدافع فقط عن حدودها، بل عن فكرة الاستقرار العربي نفسها، وعن حق شعوب المنطقة في أن تعيش خارج دوائر الصراع التي أنهكتها طويلًا. وحين تتحدث القاهرة بهذه اللغة، فإنها لا تعبر عن موقف دولة فحسب، بل عن إرادة أمة تدرك أن أمنها يبدأ من تضامنها، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُترك لنيران الصراعات المشتعلة حولها.




