رأي

«مجلس السلام» والفلسطينيون

عبدالله السويجي – الخليج:

شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة في الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام الذي عُقد برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، بهدف إعمار قطاع غزة وتحقيق الأمن والاستقرار للغزّيين، بعد حرب دموية ومؤلمة. وتبرّعت الإمارات ب 1.2 مليار دولار أمريكي. وكانت قد قدّمت ما يقرب من ثلاثة مليارات دولار أمريكي مساعدات للشعب الفلسطيني في غزة منذ اندلاع الحرب، من خلال قوافل جوية وبرية ومشاريع تحلية المياه ومشاريع لوجستية مباشرة، ما يعني أن الدولة ظلّت واقفة إلى جانب الشعب الفلسطيني في غزة واستضافت مئات الجرحى على أراضيها.
وكانت دولة الإمارات قد دانت بشدة القرار الصادر عن إسرائيل بتصنيف أراضٍ في الضفة الغربية على أنها ما يُسمّى (أراضي دولة)، والموافقة على الشروع في إجراءات تسجيل وتسوية ملكية الأراضي على نطاق واسع في الضفة الغربية المحتلة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1967، واعتبرت الإمارات ومعها سبع دول هذه الخطوة غير القانونية تصعيداً خطراً يهدف إلى تسريع النشاط الاستيطاني غير المشروع، ومصادرة الأراضي، وترسيخ السيطرة الإسرائيلية. إن لجوءنا إلى هذه التفاصيل بهدف توضيح موقف الإمارات الذي يدين ويستنكر أي إجراء غير قانوني في الأراضي الفلسطينية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، ليس اليوم فقط، وإنما قبل اتفاقية أوسلو وبعدها، وحتى بعد توقيع الإمارات الاتفاقية الإبراهيمية مع إسرائيل، ولهذا دلالات كثيرة ومهمة.
ذكرت هذه المعلومات، التي يعرفها الجميع، لا لنمنن على الفلسطينيين، لكن للتأكيد على أن الإمارات تقف بإخلاص إلى جانب الحق الفلسطيني. ومن هذا الموقف، وبينما ينعقد مجلس السلام من أجل السلام في قطاع غزة، وعلى الرغم من تأييدنا أي خطوة أو إجراء يقلل من معاناة الشعب الفلسطيني، ومن دون شك، نحن فرحون بانعقاد المؤتمر، إلا أننا، ومن واجبنا القول، إن تخصيص مؤتمر لقطاع غزة ونسيان الضفة الغربية والتغاضي عن الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، من منطلق أن هناك سلطة فلسطينية تدير شؤون الفلسطينيين، هو قناعة سياسية خاطئة، لأن الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية مقلق إلى درجة كبيرة، فإسرائيل لا تكف عن التهديد بضم الضفة الغربية والاستيلاء على أراضٍ فلسطينية زراعية، بل إنها تطلق حرية المستوطنين فيعيثوا في المزارع والبساتين الفلسطينية فساداً ودماراً، بل إن رموزاً سياسية مثل وزير المال الإسرائيلي يطالب بإلغاء اتفاقية أوسلو، وإعادة ضم الضفة الغربية من جديد. ولا ندري إن كان ذاك هو سبب عدم تمثيل الفلسطينيين في المجلس.
إن من واجب مجلس السلام أن يشمل كافة الأراضي الفلسطينية، ومنها الضفة الغربية ومخيماتها المدمّرة أيضاً، بالتأكيد على سيادة السلطة الوطنية الفلسطينية، أو الفلسطينيين بشكل عام، على أراضيهم، ووقف الانتهاكات تحت ستار التنسيق الأمني فجيش الاحتلال يقتحم قرى ومدن الضفة في أي وقت، ويعتقل ويقتل ويدمر ثم يغادر بعد أن يجرف الشوارع ويحطّم البنية التحتية. ألا تحتاج هذه الأماكن إلى إعادة إعمار؟ ألا يجب إدراج المناطق الفلسطينية الأخرى ضمن مشاريع الإعمار والتأهيل العمراني والبشري؟
إن من مفارقات السياسة أن تشارك إسرائيل في مجلس السلام، وقد لا يتم تنفيذ أي مشروع إلا بموافقتها، بينما لم تتحمل مسؤوليتها كدولة احتلال، كما ينص القانون الدولي، وهي مسؤولية معروفة وتشمل الإيواء والغذاء والدواء وتوفير الأمن للسكان. وكنا نتمنى أن يشير مجلس السلام إلى هذا الأمر.
لا نريد الدخول في موضوع قطاع غزة كثيراً، كي لا يقول أحدهم إن الإمارات تشارك في مجلس السلام، وتنتقده في الوقت ذاته، وفي الواقع، فإن دولة الإمارات تحملت مسؤولياتها الأخلاقية في السابق، وتتحملها حالياً، خاصة في ما يتعلق بالحقوق الإنسانية الفلسطينية: المسكن والمأكل والمشرب والبنى التحتية، وهذه ينص عليها القانون الدولي كما أسلفنا، أي أن الإمارات لا تخترع قوانين ومقترحات من عندها، والمشاركون في مجلس السلام يعرفون أكثر منّي الحقوق، ويدركون أنه يجب توسيع نطاق مجلس السلام، ليشمل الأراضي التي احتُلت بعد حرب 1967، بل تشمل اللاجئين الفلسطينيين، من منطلق أن الفئة المستهدفة هي الإنسان الفلسطيني المحروم من حقوقه.
ومثال على ذلك، وبينما ينعقد مجلس السلام في واشنطن، تعاني وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين (الأونروا) صعوبات مالية وتشغيلية، وتعمل على ترشيد خدماتها بسبب نقص التمويل، بل إنها قامت بتخفيض رواتب العاملين لديها بنسبة 20%، ما يعكس حجم الأزمة المالية التي تعانيها الوكالة الأممية. كنا نتمنى أن يشمل مجلس السلام وكالة الأونروا لمواصلة تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، خاصة مع قوانين تمنع الفلسطيني من العمل في بعض الدول التي تبرر ذلك برؤية معقّدة لحقوق اللاجئ أو النازح وغيرها، والنتيجة أن هذه الدول لا تعامل الفلسطيني كنازح ولا تعامله كمهاجر، فيضيع بين المصطلحين.
جميل أن يتم تخصيص مجلس للسلام في قطاع غزة، بعد المأساة التي عاناها الشعب الفلسطيني هناك، ولا يزال يعاني أموراً كثيرة منها المأوى والعلاج والغذاء، آملين توسيع صلاحيات المجلس لوقف المعاناة الإنسانية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى