ما وراء الحرب

علي قباجة – الخليج:
في العادة، لا تختزل الحروب الكبرى في سبب واحد فقط، بل تقف خلفها مجموعة من الحسابات والمصالح التي تتشابك معاً. وما يجري اليوم في المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران يمكن فهمه في هذا الإطار، فالمشهد يبدو للوهلة الأولى صراعاً يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وتهديداته لإسرائيل، لكنه في العمق يرتبط بتنافس دولي أوسع يتجاوز حدود المنطقة.
الولايات المتحدة تقول إن هدفها الرئيسي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي قد يهدد أمن حلفائها ويزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهذا هدف واضح ومعلن. لكن هناك أيضاً حسابات أخرى تتعلق بموقع إيران في سوق الطاقة العالمي، وبعلاقاتها المتنامية مع الصين وروسيا.
فإيران تعد أحد المصادر المهمة للنفط بالنسبة للصين، التي تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة للحفاظ على نموها الاقتصادي، ومن هنا فإن الضغط على إيران قد لا يتعلق فقط بملفها النووي، بل أيضاً بتقليص قدرتها على تزويد الصين بالنفط أو التحكم به في الحد الأدنى. وبمعنى آخر، فإن واشنطن تنظر إلى المنافسة مع بكين باعتبارها التحدي الأكبر في السنوات المقبلة، وتسعى إلى الحد من الأدوات التي قد تعزز قوة الصين الاقتصادية، ولهذا السبب قصفت أجنحة فنزويلا، وتلوح الآن بالسيطرة على غرينلاند.
لكن الصورة تكتمل عند النظر إلى موقف القوى الأخرى، فالصين وروسيا تدركان أن انخراط الولايات المتحدة في حرب طويلة قد يستهلك جزءاً كبيراً من طاقتها، وفي السياسة الدولية كثيراً ما تحاول الدول الكبرى استغلال انشغال خصومها في أزمات أخرى من أجل تعزيز مواقعها.
روسيا على سبيل المثال، قد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات في المنطقة، وهو ما يمنحها موارد إضافية في ظل الحرب المستمرة في أوكرانيا. كما أن التوترات الدولية غالباً ما تعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى، وهو ما قد يخفف الضغط على موسكو في بعض الملفات، في حين أن الصين قد تستفيد أيضاً بإنهاء معضلة تايوان، وإعادتها إلى سلطتها.
كل ذلك يعكس حقيقة أن العالم يعيش مرحلة تحولات كبيرة، فالنظام الدولي الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة تغير، مع صعود قوى جديدة وتزايد المنافسة بينها. وهذه التحولات لا تحدث بشكل هادئ، بل تمر عبر أزمات وصراعات سياسية واقتصادية وأحياناً عسكرية.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في أن تظل هذه المواجهات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، فالعالم اليوم مترابط أكثر من أي وقت مضى، وأي صراع واسع قد يترك آثاراً خطِرة في الجميع. لذلك تبقى الحكمة السياسية والبحث عن التوازنات ضرورية، حتى لا تتحول المنافسة بين القوى الكبرى إلى صراع يأكل الأخضر واليابس.




