
تيريز القسيس صعب.
خاص رأي سياسي …
ساعة وخمس دقائق، “فضفض” فيها البطريرك الماروني بشارة الراعي امام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في قصر الاليزيه، كل المخاوف والهواجس والتساؤلات التي شغلت الساحة السياسيةفي لبنان، وتحديدا المسيحية، من مسالة الموقف الفرنسي الداعم لترشيح الثنائي الشيعي سليمان فرنجيه لرئاسة الحكومة.
فبغض النظر عن المشهدية الشكلية للحفاوة والاستقبال الرسمي الذي لقيه راس الكنيسة المارونية في القصر الرئاسي الفرنسي، الا ان الهدف الاساس كان في ايصال الرسالة اللبنانية الى السلطات الفرنسية، وبشكل خاص المارونية، بكل تجرد وشفافية وبعيدا عن اي تبعات ومسايرات، لافهامهم حقيقة الوضع الماساوي الذي يعيشه لبنان وشعبه جراء تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية.
ومما لا شك فيه ان التنسيق الفاتيكاني الفرنسي حول الوضع في لبنان، والذي يعمل عليه منذ فترة، اثمر إلى بلورة الصورة الواقعية من مواقف الدول الفاعلة على الساحة اللبنانية.
ولعل البركة الفاتيكانية الداعمة التي أعطيت للراعي بعد لقائه امين سر دولة الفاتيكان بياترو باروليني قبل لقائه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، تسلح بها امام ماكرون وعبر عنها في مقاربة رؤية موقف الكنيسة من مسالة الاستحقاق الرئاسي، رافضا باي شكل من الاشكال تهميش راي الكنيسة، والدور الجامع الذي لعبته البطريركية المارونية منذ العصور وما تزال، مشددا على أن رئيس الجمهورية لا يمكن فرضه على اللبنانيين، كما لا يجوز دعم أي شخصية مسيحية بعيدة عن توافق اللبنانيين فيما بينهم.
وبحسب المعطيات فان الراعي لم يتطرق إلى أي اسم محدد، لكنه سلم ماكرون لائحة باسماء شخصيات مارونية، وأشار إلى ان المعارضة توافقت فيما بينها، وان الاتصالات مستمرة لإنجاز اتفاقها.
الا ان ما يتعب كاهل الدولة وينهك اقتصادها والمتعلق بمسالة النازحين السوريين حط بندا اساسيا في خلوة الراعي ماكرون.
فالبطريرك اثار أزمة النزوح السوري في لبنان وتداعياتها على الوضع الاقتصادي في كل جوانبها، وطالب الرئيس الفرنسي ببذل أقصى الجهود، والعمل مع الدول الاوروبية والجهات الدولية الرافضة لعودتهم الى تغيير موقفها، خصوصا وان اجتماعا للاتحاد الاوروبي سيعقد منتصف حزيران المقبل في بروكسيل سيخصص للنزوح السوري.
تكتم وتوافق
وعلى الرغم من التكتم الشديد الذي خيم على أجواء اللقاء، والتوافق بين الطرفين بعدم تسريب اي معلومات حول الخلوة التي جمعت ماكرون والراعي، الا ان ديبلوماسيين مقربين من ماكرون اكدوا انه شرح للبطريرك موقف فرنسا الواضح من مسالة دعم فرنجيه، والأسباب الكامنة وراء دعمه في غياب اي مرشح آخر تم التوافق عليه بين الاقطاب في لبنان. واشاروا الى ان ما يهم فرنسا انتخاب رئيس في أقرب وقت، وتشكيل حكومة جديدة تسرع في الاصلاحات، وتعمل مع صندوق النقد الدولي لان من دونها لا يمكن ان يكون هناك نهوض واستقرار دائم في لبنان.
ففرنسا لن تتخلى عن لبنان وستبقى الى جانبه وتدعمه في اصعب الظروف، انما على القوى اللبنانية التوافق والالتفاف فيما بينها لفتح باب حوار وتقارب لحل ازماتها ومشاكلها.
الرئيس الفرنسي آثار اهمية وثبات الوجود المسيحي في الشرق وتحديدا في لبنان، ودوره الريادي والفاعل في بناء الجسور بين الغرب والشرق، وتثبيت دعائم العيش المشترك، والانفتاح نحو دول الجوار.
من هذا المنطلق يشدد الجانب الفرنسي على أهمية المحافظة على وجود التوازن المسيحي في مؤسسات الدولة في لبنان، وعدم التفريط به، لما يشكل من دعم ثابت وقوي لانخراط ومشاركة جميع الطبقات السياسية في بناء لبنان.
الصحافة الفرنسية
وكان ملفتا تناول الصحف الفرنسية زيارة الراعي وتصدرت عناوين صفحاتها، حيث وصفتها بالمحطة المهمة، وربما قد تكون مفصلية في تحديد افق المرحلة المقبلة، لكنها في الوقت نفسه نقلت عن مرجع فرنسي رفيع ان البطريرك لن يحمل في طريق العودة إلى لبنان الحل الرئاسي، الا انه سيستمر في تزخيم اتصالاته ومشاوراته مع كافة القوى، وسيبقى على تنسيق دائم مع الرئيس الفرنسي شخصيا في كل تطور جديد.
بيان الاليزيه
الرئاسة الفرنسية أصدرت في وقت متأخر من ليل امس بيانا ، أشارت فيه الى ان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال استقباله في قصر الإليزيه البطريرك الماروني بشارة الراعي اكد دعمه “الجهود” التي يبذلها رأس الكنيسة المارونية لإخراج لبنان من “المأزق السياسي”، مطالباً كلّ القوى في البلد الغارق في الأزمات بانتخاب رئيس للجمهورية “بدون تأخير”. وشدّد على أنّ “الانسداد” الراهن في لبنان يمثّل “عقبة” أمام الإصلاحات “التي بدونها لا يمكن أن يكون هناك نهوض واستقرار دائم للبنان”.
وقالت إنّ ماكرون والراعي “عبّرا عن مخاوفهما العميقة بشأن الأزمة” التي يعاني منها لبنان و”شلل المؤسسات الذي فاقمة شغور سدّة الرئاسة منذ أكثر من سبعة أشهر”.
وأضاف الإليزيه أنّ الرئيس الفرنسي والبطريرك الماروني “اتّفقا على ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية بدون تأخير”.
ونقل البيان عن ماكرون تشديده على “ضرورة” بقاء مسيحيّي لبنان “في قلب التوازن الطائفي والمؤسّسي للدولة اللبنانية”.




