ماكرون، هل اليوم وقت الاستثمار في الحرب؟

جيرار ديب – النهار:
من المبكر تقييم الدور الفرنسي في نجاح مبادرة باريس لأنّ الميدان لم يزل مشتعلاً، وأن لغة الحرب تتفوق على أي لغة أخرى في دلالة على أن الأميركي لم يزل يصرّ على ربط القضية بإدارته دون السماح لأي طرف بتسجيل النقاط.
نقل موقع “أكسيوس” عن مصادر وصفها بالمطلعة أن “فرنسا أعدت مقترحاً جديداً لإنهاء الحرب التي تشنها على لبنان، يشمل نقاطاً عدة أبرزها تطبيع العلاقات ونزع سلاح “حزب الله”.
دخل ماكرون على خط القتال الدائر بين “حزب الله” وإسرائيل، معتبراً أن الوقت مؤات ليس لفرض السلام لكن للاصطياد في الماء العكر. فالحرب تحمل أهدافاً تتخطى الحدود اللبنانية، وهو يعلم أن من المبكر الحديث عن مفاوضات طالما الحرب تسلك مسارات أكثر تعقيداً، حيث لم تزل لغة الصواريخ تسيطر على أي ديبلوماسية، وسط تأكيد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب رفض أي تفاوض، تماماً كما يصرّح الإيراني، على لسان حرسه الثوري.
رغم سرديات “حزب الله”، والتي اعتبر فيها أنّ قتاله هو من أجل الدفاع عن لبنان، وأنها أتت نتيجة عام ونيّف من ممارسات إسرائيل على لبنان، وأنه يخوض معركة وجود، فإن امتنان المرشد الجديد، مجتبي خامنئي، للحزب على مساندته طهران في الحرب التي تخاض على بلاده من كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، أوضح الصورة. لهذا لن يقدم الحزب على الاستفراد في اتخاذ أي قرار مقبل، دون حسم الحرب القائمة في إيران، على اعتبار أنها وجودية لهذا المحور الذي تأسس منذ تصدير الثورة في إيران عام 1979.
“حزب الله” ليس الوحيد الذي يرفض التسوية، فالإسرائيلي أيضاً يعتبر الحديث عنها هو مضيعة للوقت، فالوقت بالنسبة إليه هو لإزالة الخطر الحدودي على الجبهة الشمالية. إن أي وقف لإطلاق النار دون القضاء على الحزب أو على الأقل نزع السلاح والذهاب بالحكومة اللبنانية نحو التطبيع سيعتبر انتصاراً للآخر. لهذا يتحضر اليوم الإسرائيلي إلى توسيع عملياته والذهاب إلى اجتياح بري واسع، فبحسب هيئة البث الإسرائيلية “كان” هناك استعداد لتعبئة 450 ألف جندي احتياطي لدخول بري إلى لبنان. قد لا يتوقف عند حدود جنوب الليطاني، بل قد يستنسخ الإسرائيلي سيناريو عام 1982 ويصل إلى بيروت لتعزيز شروطه التفاوضية عبر فرض واقع يتمثل في الضغط على حكومة لبنان.
لا حظوظ لنجاح الدعوة الفرنسية إلى تكريس التفاوض، رغم تفويض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتيناهو، وزير الشؤون الاستراتيجية والمقرّب منه، رون ديرمر، لملف التفاوض مع لبنان. فهذا لن يقدم من جديد على أي تسويات، إذ إن الأمر يعود للميدان وتطوراته على الساحة اللبنانية.
يدرك الرئيس ماكرون أنها فرصته المناسبة لتسجيل النقاط على الأميركي وسحب هذه الورقة من يده. وأن الفرصة المؤاتية لعودة نفوذ بلاده إلى المنطقة، وأن وقف الحرب في هذا التوقيت لن يكون لصالح واشنطن، بل سيسجل انتصاراً لصالح طهران ووكلائها في المنطقة. لهذا يسارع ماكرون الخطوات لإيجاد صيغة لا تحاكي تقديم الطروحات المناسبة لسلام دائم، بقدر ما يعمل على إحراج الأميركي وتطويق مشروعه القادم للشرق الأوسط.
الصراع الماكروني – الترامبي ليس بجديد، إذ تعود جذوره إلى المطالبات الفرنسية المستمرة نحو الانعتاق الأوروبي من القبضة الأميركية. هذا ما دفع بماكرون إلى تقديم خطة تتمحور حول الردع النووي الفرنسي لدول أوروبية بوجه التهديدات الروسية نتيجة الحرب الدائرة في أوكرانيا. ففي كواليس الصدام بين باريس وواشنطن هناك ما يتعلق بقدرة ترامب على ممارسة “التنمّر” على ماكرون شخصياً، لا سيما وأن الرئيس الأميركي يتوقف عند فكرة عدم التفاوض مع رجل لم يبق له في السلطة سوى بضعة أشهر.
بين الشخصي والاستراتيجي تأتي المبادرة الفرنسية لتؤكد الإصرار الفرنسي لإعادة خلط الأوراق في منطقة الشرق الأوسط، وفرملة ارتداداتها على الساحة الأوروبية، خصوصاً وأن الحرب في الشرق الأوسط أخذت طابعاً اقتصادياً عبر ضرب طرق الطاقة الدولية، ومن خلال القرار الأميركي المتمثل بالسماح للاستفادة من النفط الروسي ما أثار حفيظة الأوروبي من أن مثل هكذا قرار يعيد الثقة إلى ميزانية الحرب الروسية.
يعتبر الفرنسي أن لديه مروحة من المراوغة في هذا التوقيت الذي لم يزل طرفا النزاع يتحدثان عن قدراتهما العسكرية نحو حرب طويلة. هذا ما حفّز الفرنسي لاعتبار أن نجاح مهمته سيرتد على السياسة الفرنسية في المنطقة، الأمر الذي قد يحسن من حضورها الديبلوماسي تحديداً في لبنان الذي تربطه علاقات استثمارية تمثلت في الشركات الفرنسية التي استحوذت على المناقصات بعد انفجار المرفأ عام 2020، لاسيما شركتي “سي أم أي، سي جي أم” الفرنسية للشحن وإعادة تأهيل المرفأ، وشركة توتال من أجل التنقيب واستخراج النفط في البلوك رقم 8 في لبنان.
من المبكر تقييم الدور الفرنسي في نجاح مبادرة باريس لأنّ الميدان لم يزل مشتعلاً، وأن لغة الحرب تتفوق على أي لغة أخرى في دلالة على أن الأميركي لم يزل يصرّ على ربط القضية بإدارته دون السماح لأي طرف بتسجيل النقاط. فبين الأحلام الفرنسية والمشاريع الأميركية للمنطقة يبقى الكلام الأخير للميدان، فهل من حسم قريب؟




