لندن تنقلب على «العصر الجليدي»: حان وقت التعاون مع بكين

كتبت ريم هاني, في الأخبار:
تعكس زيارة ستارمر الأخيرة، والتي تأتي في سياق زيارات عدّة لمسؤولين أوروبيين إلى بكين، نية أوروبية في الاستغناء عن «التبعية العمياء» لواشنطن، خصوصاً مع مضيّ ترامب في الضرب بالتحالفات التقليدية عرض الحائط.
منذ قرّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، «الانقضاض» على التحالف العابر للأطلسي، دأب العديد من المراقبين على التحذير من أنه وبدلاً من الخضوع للابتزاز الذي يمارسه، قد يلجأ شركاء واشنطن التقليديون إلى «التقرب» من بكين، والتعامل معها كشريك «أكثر استقراراً وموثوقية» من الولايات المتحدة، التي يهدّد رئيسها، باستمرار، الدول الحليفة والخصم على السواء، بالتعريفات حيناً، وبـ«الاستيلاء» عليها حيناً آخر.
وفي إشارة جديدة إلى أن الدول الأوروبية تعيد تقييم مصالحها في ظلّ نظام عالمي جعلته سياسات واشنطن غير مستقر أو قابل للتنبؤ، سافر رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، إلى بكين، الأربعاء، في زيارة تمتدّ على 4 أيام، التقى خلالها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، معلناً عن اتفاقيات «غير مسبوقة» بين البلدين. وبذلك، يكون ستارمر أوّل زعيم بريطاني منذ تيريزا ماي، في عام 2018، يزور الصين – برفقة وفد تجاري كبير ضمّ العشرات من المديرين التنفيذيين من البنوك وشركات الأدوية والسيارات -، في محاولة لإنعاش الاقتصاد البريطاني الذي يواجه عراقيل عدّة. وتأتي هذه الخطوة بعد موافقة المملكة المتحدة، في وقت سابق من الشهر الجاري، على خطط لإنشاء سفارة صينية ضخمة جديدة في وسط لندن، بعدما كانت متردّدة في هذا الأمر لسنوات، بزعم وجود «مخاوف سياسية وأمنية».
وفي سياق تغطيتها للزيارة، نشرت صحيفة «غلوبال تايمز» تقارير متنوّعة، تحدثت فيها عن أن «عدداً متزايداً من الشخصيات في الغرب أدركوا أن اتّباع قوة مهيمنة واحدة بشكل أعمى، وقطع العلاقات العالمية، يقوض في نهاية المطاف تنمية بلدانهم وازدهارها». كما نقلت الصحيفة عن خبراء قولهم إن المملكة المتحدة اتخذت في السنوات الأخيرة نهجاً أكثر حذراً تجاه الصين، تجلّى مثلاً في فرض بعض القيود التكنولوجية على الأخيرة، التي فشلت في تعزيز اقتصاد الأولى، وأضعفت بدلاً من ذلك مكانتها في سلاسل التوريد العالمية والتجارة الدولية، في حين أن التهديدات الجمركية الأميركية الأخيرة ضد المملكة المتحدة تظهر أيضاً أن التحالفات التقليدية «غير قادرة على معالجة التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد».
وكانت العلاقات بين بريطانيا والصين قد شهدت ما عرف بـ«العصر الذهبي» في عهد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، والمستشار جورج أوزبورن، قبل عقد من الزمن، وتحديداً بين عامي 2015 و2019، عندما كانت بريطانيا تسعى علناً إلى جذب الاستثمارات الصينية، وهي اللحظة التي تمّ توثيقها بشكل لافت في صورة تُظهر كاميرون وهو يصطحب الرئيس الصيني شي لتناول البيرة في إحدى الحانات. على أنه منذ عام 2020 حتى 2024، تراجعت العلاقات بشكل حادّ، مستبدلةً «العصر الذهبي» بآخر «جليدي»، على خلفية اتباع لندن خطى واشنطن العدائية تجاه بكين، خصوصاً في ما يتعلق بتقييد عمل «هواوي». وفي عام 2021، استضاف رئيس الوزراء المحافظ، بوريس جونسون، قمة لـ«مجموعة السبع» في خليج كاربيس في إنجلترا، نتج منها أحد أكثر المواقف الغربية صرامة بشأن الصين، وتحديداً في ما يتعلق بتايوان.
على أنه وبعد نحو سبع سنوات من «الجمود»، ومع وصول «حزب العمال» – الذي يضع حالياً النمو الاقتصادي والاستقرار على سلم أولوياته – إلى السلطة، قررت بريطانيا، على ما يبدو، «فتح صفحة جديدة» مع «الجمهورية الشعبية». وعكست تصريحات ستارمر، في أثناء زيارته لبكين، النزعة المشار إليها، علماً أن الصين تمثّل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وثالث أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة – يصدّر إليها 45 مليار جنيه إسترليني من السلع والخدمات سنوياً -؛ ولذا، من غير المستغرب أن تلجأ إليها الأخيرة في بحثها عن «الموثوقية الاقتصادية».
ستارمر هو أول زعيم بريطاني يزور الصين منذ عام 2018
ومما قاله رئيس الوزراء البريطاني للصحافيين الأربعاء: «من مصلحتنا الوطنية التعامل مع الصين. هناك فرص هائلة يمكن الحصول عليها»، وإن على بريطانيا «التوقف عن توجيه انتقادات ساخنة وباردة إلى الصين». وفي خطاب ألقاه في كانون الأول الماضي، قال ستارمر: «لقد مررنا بالعصر الذهبي، الذي انقلب بعد ذلك إلى العصر الجليدي. ونحن نرفض هذا الاختيار الثنائي». وفي أثناء رحلته إلى بكين، أعاد تأكيد المواقف المشار إليها، معلناً أنه «يريد تحقيق الاستقرار والوضوح في العلاقات الثنائية، بعد سنوات من عدم الاتساق في عهد حزب المحافظين، عندما انتقلت العلاقات من العصر الذهبي إلى العصر الجليدي»، مؤكّداً أن المملكة المتحدة لن تضطر إلى «الاختيار بين الصين والولايات المتحدة».
وعقب لقاء ستارمر، شي، أمس، ورغم تهديد ترامب، السبت، كندا بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% عليها بسبب جهودها الأخيرة لتحسين علاقاتها التجارية مع بكين، أعلن الطرفان عن جملة من الاستثمارات والاتفاقيات، بما في ذلك إعلان شركة الأدوية البريطانية «أسترازينيكا»، أمس، عن خطة استثمارية طموحة بقيمة 15 مليار دولار تمتد حتى عام 2030، تهدف إلى توسيع قدراتها في تصنيع الأدوية وتعزيز عمليات البحث والتطوير. وقال باسكال سوريو، الرئيس التنفيذي للشركة، في حديث إلى وكالة «رويترز»، إن هذا الاستثمار هو الأكبر للشركة في الصين، منذ بدء عملياتها هناك قبل أكثر من 30 عاماً.
ويتمثل الاتفاق الأبرز الذي تم التوصل إليه بإلغاء بكين ضرورة الحصول على تأشيرة للمواطنين البريطانيين، الذين يزورون البلاد لمدة 30 يوماً لأغراض سياحية وتجارية، ما يجعل بريطانيا ضمن 50 دولة أخرى، من مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأستراليا واليابان، لم تعد بحاجة إلى تأشيرة صينية. كذلك، اتفق الطرفان على بدء العمل المشترك بين أجهزة إنفاذ القانون البريطانية والصينية لتعقب محركات القوارب الصغيرة المصنّعة في الصين قبل وصولها إلى المهربين في أوروبا واعتراضها، في اتفاق يشمل أيضاً تعاوناً مكثفاً للقضاء على إنتاج المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة مخدر «النيتازين» وتصديره.
«حجّ» أوروبي
وتأتي هذه الزيارة وسط موجة دبلوماسية أوسع بين أوروبا والصين، بما في ذلك الرحلات التي أجراها، في الأسابيع الأخيرة، كل من رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو، برفقة وفد من الشركات الفنلندية، ورئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي أعلن عن اتفاق لخفض الرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية الصينية، في تحول عن سياسة الرسوم الجمركية المرتفعة السابقة التي كانت تتّسق مع نهج الولايات المتحدة. كما من المقرر أن يزور المستشار الألماني، فريدريش ميرز، الصين في شباط، بحسب تقارير إعلامية ألمانية، علماً أنّه منذ أوائل عام 2018، زار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بكين ثلاث مرات، بينما زارها القادة الألمان أربع مرات.
وفي هذا السياق، يشير محللون إلى أن بريطانيا، وعلى غرار كندا والاتحاد الأوروبي وبعض الدول الغربية الأخرى، باتت تتعامل مع الصين باعتبارها واقعاً استراتيجياً يجب إدارته، بدلاً من تصويرها كشريك أو خصم. وقالت كيري براون، أستاذة الدراسات الصينية في «كينغز كوليدج» في لندن، لصحيفة «واشنطن بوست»، إنه «يتعين على بريطانيا أن تجد بدائل، بل ينبغي على الجميع القيام بذلك». ومن جهته، يؤكّد تشاو يونغ شنغ، الباحث في «معهد أبحاث سلاسل القيمة العالمية» في «جامعة الأعمال والاقتصاد الدولي» في بكين، للصحيفة نفسها، أن موقف ترامب تجاه التحالفات التقليدية «يدفع أوروبا والصين إلى أحضان بعضهما البعض»، مشيراً إلى أن «سياسات الأخير اضطرت الاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع الصين، وتسريع عملية تحسين العلاقة معها».
ورغم الانقسام السياسي في الداخل البريطاني بين مؤيد لعلاقات أكثر دفئاً مع الصين، وجهات حزبية أخرى تدعو إلى الامتناع عن الانفتاح عليها، فإن الرأي العام البريطاني يصبّ على ما يبدو، لصالح المقاربة الأولى؛ إذ إنّه وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» نهاية الأسبوع الماضي، فإن نسبة المشاركين الذين ينظرون إلى الصين كصديق أو منافس صديق ارتفعت إلى 27%، مقارنة بـ19% في استطلاع أجري في تشرين الأول. في المقابل، كانت الدولة الأخرى الوحيدة، في القائمة التي تضم 15 دولة، التي انخفض «الودّ» تجاهها إلى 52% من 69%، هي الولايات المتحدة.




