لقد توقفت أوروبا عن التظاهر

كتب ديفيد إيغناشيوس, في صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية:
إنّ هدم ترامب يخلق عزيمة جديدة لمعالجة مشاكل القارة المزمنة.
لقد قدّمت كارثة الرئيس دونالد ترامب في غرينلاند خدمة غير مقصودة لأوروبا. إذ أجبرت ممارساته المتقلبة والمتنمّرة القادة الأوروبيين على الإقرار بحاجتهم إلى الاستقلال عن أميركا غير الموثوقة، والتخلّي عن سياساتهم الاقتصادية والأمنية المتهالكة.
هيمن ترامب على عناوين الأخبار في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع، مهدداً بغزو غرينلاند ثم متراجعاً، ما منحه الهيمنة الإعلامية التي يتوق إليها. غير أن النقاش الأعمق كان مختلفاً تماماً، إذ مثّل تمرّداً أوروبياً صريحاً على ترامب، وجرعة قوية من الصراحة في اجتماع طالما طغى عليه التهرّب المهذّب. فقد توقف الأوروبيون هذا الأسبوع عن التظاهر بأن اقتصاداتهم ستنتعش إذا واصلوا الارتهان لأميركا، القوة المهيمنة عالمياً.
لطالما كان ركود أوروبا موضوعاً رئيسياً في كل مؤتمر دافوس تقريباً حضرته على مدى 25 عاماً. وكان تغيير هذا الواقع القائم صعباً، في حين بدا اتباع خطى أميركا أمراً يسيراً. لكن ترامب قلب موازين القوى في ولايته الثانية؛ إذ حوّل التحالف عبر الأطلسي إلى ممارسة مهينة تقوم على الرسوم الجمركية، ومطالب البيت الأبيض، والإهانات. تظاهر القادة الأوروبيون بالرضا طوال معظم العام الماضي، لكنهم، بحلول هذا الأسبوع، بلغ بهم السخط مداه.
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي أعدّه هنا أوروبياً فخرياً، عبّر عن ذلك بوضوح في خطابه أمام المنتدى قائلاً: “نحن في خضم قطيعة، لا مرحلة انتقالية… عندما لا تعود القواعد تحميك، عليك أن تحمي نفسك”. واستعرض كارني سلسلة من إجراءات الاستقلال التي تتخذها بلاده، بما في ذلك “شراكة استراتيجية” جديدة مع الصين. وبالنظر إلى هجوم ترامب غير المنطقي على كندا، فمن يلومه؟
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن أوروبا بحاجة إلى إصلاح اقتصادها الذي “لا يزال متخلفاً عن اقتصاد الولايات المتحدة”. وبينما حثّ على التغيير، أشاد أيضاً بموثوقية أوروبا ونظامها في مقابل سياسات ترامب التخريبية، قائلاً: “إن وجود مكان مثل أوروبا، التي قد تكون بطيئة أحياناً، وتحتاج بالتأكيد إلى إصلاحات، لكنها في الوقت نفسه قابلة للتنبؤ ومخلصة… هو مكان جيد”.
وقد استعرض مسؤولو إدارة ترامب في دافوس كجيشٍ منتصر، ما زاد من حماس الأوروبيين. ووفقاً لمصدرٍ كان حاضراً، وجدت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي التي تحظى بإعجاب واسع، أن نبرة وزير التجارة هوارد لوتنيك في حفل عشاء يوم الثلاثاء كانت متجاهلة إلى حدٍّ دفعها إلى مغادرة القاعة.
كانت غرينلاند شرارة للاحتجاجات، لكن الغضب الأعمق كان موجَّهاً إلى ما وصفه ماكرون بـ”التبعية” الاقتصادية، في وقت يندفع فيه ترامب نحو التوسّع الإمبراطوري. ويدرك القادة الأوروبيون أنهم يتخلّفون عن ركب النمو الاقتصادي الأميركي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. ويرغب الأوروبيون في الانضمام إلى هذا الازدهار، ويبدو أنهم يدركون أخيراً أن قواعد الاتحاد الأوروبي ولوائحه، إلى جانب عبئه الضريبي الباهظ، تعيق النمو الذي يحتاجونه.
يريد القادة الأوروبيون نسختهم الخاصة من “يوم التحرير”. ويعني ذلك إقامة شراكات تجارية جديدة مع أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، والتوصّل إلى تفاهم مع الصين يقضي بتبادل التكنولوجيا مقابل الوصول إلى سوق الاتحاد الأوروبي. لكن الأهم من ذلك كله هو بناء اقتصادات محلية داعمة للابتكار، بقواعد أقل، وضرائب أدنى، ونظام رعاية اجتماعية أقل جموداً.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في المنتدى: “تحتاج أوروبا إلى عقلية استعجالية في الإصلاح الاقتصادي. يجب على أوروبا تسريع مساعيها نحو الاستقلال… لقد تغير العالم بشكل جذري، وعلينا أن نتغير معه”.
وقد حدّد ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، مسار الإصلاح بوضوح في تقريره الصادر في سبتمبر/أيلول 2024 حول تراجع القدرة التنافسية الأوروبية. وكتب في مقدمة التقرير: “اتّسعت الفجوة في الناتج المحلي الإجمالي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة”. وأشار إلى أنه منذ عام 2000، زاد الدخل الحقيقي المتاح في أميركا بنحو ضعف الزيادة التي شهدها الاتحاد الأوروبي.
وكتب دراغي: “لقد فاتت أوروبا إلى حدٍّ كبير فرصة الاستفادة من الثورة الرقمية التي قادها الإنترنت وما جلبته من مكاسب في الإنتاجية”. وحذّر من أن أربع شركات فقط من بين أكبر خمسين شركة تقنية في العالم هي شركات أوروبية. ومن بين الشركات الناشئة العملاقة التي تبلغ قيمتها مليار دولار، والتي تأسست في أوروبا بين عامي 2008 و2021، انتقل ما يقرب من 30% منها إلى الخارج هرباً من الضرائب واللوائح التقييدية.
كانت رسالة دراغي واضحة إلى كل قادة الأعمال والسياسة الأوروبيين الذين تحدثتُ إليهم خلال العامين الماضيين. غير أنه في بريطانيا وأوروبا، عجز القادة الضعفاء عن تطبيق الإصلاحات، ويبدو أن جمود منطقة اليورو بات أسوأ من أي وقت مضى. فقد وجدت دراسة استشهد بها دويتشه بنك أنه بعد عام واحد من صدور تقرير دراغي، لم يُعتمد سوى 11% من توصياته البالغ عددها 383 توصية. ولعلّ ترامب قد ساهم في كسر هذا الجمود.
شكّلت محاولة ترامب السيطرة على غرينلاند صدمة لأوروبا، إذ فجّرت فقاعة من السلبية والخضوع. وبحلول نهاية الأسبوع، تراجع ترامب عن مطلبه بشراء الجزيرة، في مواجهة معارضة موحّدة من القادة الأوروبيين، وتراجع حاد في أسعار الأسهم والسندات الأميركية. بدت غرينلاند أشبه بـ”تاكو” جليدية، كما توقّع العديد من مراقبي ترامب. غير أنها، بالنسبة إلى أوروبا، كانت بمنزلة جرس إنذار.
اشتكى ترامب في دافوس من أن الأوروبيين يجب أن يشكروه على كل ما قدّمه لهم. هذه المرة، قد يكون محقاً. فربما دفعت محاولة الانقلاب في غرينلاند الأوروبيين، أخيراً، إلى تولّي زمام مصيرهم، والشروع في الإصلاحات الاقتصادية التي يحتاجونها للبقاء كدول مزدهرة.
لن ينهار التحالف عبر الأطلسي بعد هذا الأسبوع الحافل في دافوس، لكن المشهد لن يعود كما كان.




