رأي

لتعزيز الوحدة الوطنية في سورية الجديدة

صلاح بدر الدين – العربي الجديد:

لا مبرّرات للجمود الحاصل على الصعيد الوطني السوري… هناك نوع من اللامبالاة من الإدارة الانتقالية حيال الأصوات الوطنية الصادقة، والحريصة على عهد ما بعد الاستبداد، المطالبة بضرورة الالتزام بتطبيق جميع أهداف الثورة السورية التي توحد جميع الوطنيين السوريين تحت خيمتها، أقله في الأعوام الأولى، وقدّموا التضحيات من أجل التحرير، والتغيير الديمقراطي، وانتزاع كرامة جميع السوريين، وإعادة الحقوق لمن حرم منها من مكونات قومية، أو فئات اجتماعية في مختلف المحافظات والمناطق، وذلك من خلال الشراكة الوطنية في الحكم والقرار، وليس الاقتصار على اللون الواحد كما هو الحال عليه بعد انقضاء عام ونيف على إسقاط الاستبداد… قد تكون هناك أسباب موضوعية وعوائق وموانع، فلتكن من مسؤولية كل السوريين، وعلى عاتق الجميع، وليست على عاتق فئة واحدة.

من صلب مصالح (ومطامح) الوطنيين السوريين جميعاً الذين شاركوا في الثورة، وواكبوها نحو 15 عاماً أن لا يبقى أي أثر لوجود ونفوذ لأي دولة ساندت نظام الاستبداد الأسدي، وفي المقدّمة إيران وروسيا، وأن تعود سورية إلى موقعها اللائق عربياً، وإقليمياً، ودولياً، ولكن الطموحات الوطنية لا تتوقف عند هذه الحدود “الخارجية”، بل تتمحور أساساً حول البيت الداخلي: الديمقراطية، المساواة، التشاركية، تحسين الحالة المعيشية، عودة المهجّرين، إعادة الإعمار، حل القضايا والمشكلات المرحلة من العهد البائد.

المرسوم 13 لعام 2026 فاتحة خير، وبداية مشجعة، وخطوة استراتيجية فريدة من نوعها في تاريخ سورية وكردها

وفي الحالة الكردية الخاصة، اعتبرنا، وما زلنا نعتبر، في الحركة الوطنية الكردية، المرسوم 13 لعام 2026 فاتحة خير، وبداية مشجعة، وخطوة استراتيجية فريدة من نوعها في تاريخ سورية وكردها. وحتى لا يبقى هذا الإنجاز الكبير مجرّد إعلان يجب احترامه، والانطلاق منه لإيجاد الحل التوافقي لقضية قائمة مع كل جوانبها المأساوية منذ استقلال البلاد إذا استجابت الإدارة الانتقالية لقبول المتطلبات، والحقائق التالية:

أولاً، أن كل الخطوات نحو إدماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإداراتها، ومؤسّساتها العسكرية، والأمنية، أو توظيف عناصرها في وزارة الدفاع أو الداخلية لا تتعلق، من قريب أو بعيد، بالقضية الكردية السورية، كما أن المرسوم لم يشر إلى مسألة الاتفاقيات مع “قسد” أيضاً في جميع بنوده، خصوصاً أن الموضوع الكردي السوري أقدم من هذا التشكيل بنحو 80 عاماً. أما إذا أراد القسديون وغيرهم الخير للكرد فلن يكون بفرض أنفسهم ممثلين مزعومين عن شعبنا وحركتنا، وقبل أن يُجروا مراجعة بالعمق لجميع خطاياهم، خلال أكثر من 15 عاماً، والاعتراف بكل ما اقترفوه من أعمال منافية للمصلحة القومية، والوطنية، والكشف عن مسؤوليتهم بشأن مختطفين وضحايا موثقين في قوائم، وما ألحقوا من إساءاتٍ وأضرار بقضايا شعبنا.

ثانياً، معروفٌ ان كل الحلول التي تمت بخصوص قضايا الشعوب والقوميات، قديماً وحديثاً، وكذلك في تجربة حل القضية الكردية في العراق، وهي التجربة الوحيدة الفريدة المنجزة في المنطقة، دائماً تحصل بين طرفين: النظام الحاكم وممثلي الشعب المعني. وفي التجربة الكردية السورية أُعلن الحل من طرف واحد، وهو الإدارة الانتقالية ورئيسها أحمد الشرع، وبغياب الطرف المعني، ما قد يجعل ذلك المرسوم يتيماً، لأن تطبيق بنوده يحتاج إلى تلقّي الطرف المعني ومباركته ومساهمته، بعد متابعة وتطوير، عبر الحوار.

إذا أراد القسديون وغيرهم الخير للكرد فلن يكون بفرض أنفسهم ممثلين مزعومين

ثالثاً، قد يستند مشرّع المرسوم إلى حجّة غياب “الممثل الشرعي” للكرد وحركتهم السياسية. وفي حقيقة الأمر، هناك غياب التمثيل الوطني الجامع أيضاً في هذه المرحلة الانتقالية، ولكن لأهمية المرسوم على الصعيد الوطني، والحاجة الماسّة إلى إعادة التوازن، وملء الفراغ بعد عملية الاندماج، وتطبيع الأوضاع في شمال شرق سورية، وكذلك في المناطق الكردية، واتخاذ خطوة للانفراج الداخلي، ومن أجل حل هذه الإشكالية، وجّهنا مذكّرة إلى الرئيس الشرع قبل نحو عام، اقترحنا فيها توفير شروط عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع في دمشق، ومشاركة مختلف التيارات السياسية لإقرار المشروع الكردي، وانتخاب من يمثل الحركة السياسية الكردية للتحاور من أجل إيجاد حل توافقي للقضية الكردية انطلاقاً من المرسوم 13. وحتى كتابة هذه السطور، لم نتلقّ الجواب النهائي من الشركاء في دمشق.

رابعاً، لا نخفي أن القلق بدأ يساورنا، ليس بسبب عدم الإجابة والتجاوب مع مذكرتنا فحسب، بل أيضاً خشية من اعتبار مجرّد إعلان المرسوم حلّاً للقضية الكردية، وإغلاق الملف من دون مبرّر، أو اعتبار القضية موضوعاً ثقافيّاً احتفالياً فقط، وتجريدها من مضمونها السياسي، وإطالة عملية إدماج “قسد” لجلب الأنظار، والتعتيم على الأساسي، واعتبار القضية الكردية السورية ذات الخصوصية الوطنية السورية ملحقة بمحاور خارجية، باعتبارها وصية على الكرد السوريين. ستزيد كل هذه المخاوف المشروعة، إن صحّت، القضية تعقيداً، ولن تجلب سوى المآسي، وستتحمّل الإدارة الانتقالية المسؤولية كاملة، وهذا ما لا يتمنّاه شعبنا السوري والكردي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى