رأي

لأسباب ثلاثة.. إيران ليست فنزويلا

عبير الفقيه – الجزيرة:

مع دخول حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، أسبوعها الثاني، تحول الجدل العالمي بشأن مقارنة الهدف الفنزويلي بالإيراني، بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، من سؤال يحتمل الإيجاب أو النفي، إلى جملة إخبارية واضحة “إيران ليست فنزويلا”!

وقد اتخذها أغلب أصوات الأمريكيين كشعار لاختصار موقفهم من الحرب، بل إنها صدرت عن الدائرة الضيقة للرئيس الأمريكي ذاته، مثل شهادة النائب الجمهوري توماس ماسي من قلب الكونغرس هذا الأسبوع، الذي لم يكتفِ بذلك بل أضاف: “مادورو ليس المرشد الأعلى خامنئي”!.

فإلى أي مدى تصح المقارنة بين الحالة الفنزويلية والإيرانية؟

تحتاج المقارنة بين الحالة الفنزويلية والإيرانية ومحاولة التنبؤ بحدود إمكانيات تطبيق السيناريو الأول على الثاني، طرحا واضحا من حيث المعطيات الأساسية للمشهد في الساحتين، التي تعتمد على الموقع الجغرافي لكل بلد، وبنيته العسكرية وثقافة قيادته السياسية والعقائدية، والإستراتيجية مثل تلك التي اتّبعتها الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز للعب دور البديل المحلي.

أولا، بالنسبة للموقع الجغرافي، وعلى عكس الحالة الإيرانية، مثلت فنزويلا هدفا مغريا وسهلا بالنسبة للحماس الأمريكي الذي جاءت به إدارة ترمب في يناير/كانون الثاني 2026.
فقد كانت وما زالت الآلة العسكرية الجوية والبحرية تتحرك بكل أريحية في حوض الكاريبي، وترابض ترسانتها على تخوم المياه الإقليمية الفنزويلية الشمالية، بل إن بلدا مثل ترينيداد وتوباغو، الذي يقع على جزيرة تبعد أقل من 15 كيلومترا، عن سواحل فنزويلا، استخدم بموافقته، كمركز قيادة لجزء من الآلة العسكرية الأمريكية، وهي معطيات ساعدت كثيرا في السيطرة النفسية على المنطقة.

في المقابل، سيكون الأمر صعبا ومكلفا بكثير في الحالة الإيرانية، ذلك أنها بلد مترامي الأطراف على مساحة تتجاوز المليون ونصف المليون كيلومتر مربع، وبتضاريس متنوعة ووعرة، لا يفقهها إلا أصحابها، وفي النهاية هي محاطة بحلفائها الذين تضع واشنطن في اعتبارها حسابا لهم، لا سيما الصين، وروسيا.

إضافة إلى تحكمها مع بلدان الخليج العربي في حركة الملاحة بمضيق هرمز، القادر على إصابة بورصات العالم وأسعار النفط والغاز بارتفاع جنوني، من شأنه وحده أن يعرقل أو يضع حدا لمخططات ترمب ونتنياهو.

كما أن موقع إسرائيل بالقرب من إيران، يمثل نقطة الضعف بالنسبة لواشنطن فيما يتعلق بوتيرة الاستهداف والانتقام، على عكس الحالة الفنزويلية التي تجد نفسها وحيدة في مواجهة الآلة الأمريكية.

ثانيا، وفيما يتعلق بالمعطى العسكري، يبدو أن الإستراتيجية التي أغوت واشنطن ودفعتها إلى الإقدام على مهاجمة إيران، 28 فبراير/شباط الماضي- رغم ما رشح من تقدم في المفاوضات بين الطرفين- لم تختلف كثيرا عن تلك التي استخدمتها بنجاح في فنزويلا: قصف رادع مع اقتطاع الرأس، ومن تيسر من الأسماء النافذة، وتحريك الشارع ضد حاكميه، إن لزم الأمر.
غير أنه، وما لم يكن بوسع ترمب ولا نتنياهو أن يستوعباه، هو أن قوة النظام الإيراني تكمن في سرعة ملء صفوفه فورا على إثر حدوث أية حالة شغور، حتى ولو تعلق الأمر باغتيال القادة السياسيين، أو المرشد الأعلى، ووزير الدفاع ومسؤولين ذوي وزن، كما حدث في الأسبوع الماضي، وذلك دون أن يلمس العالم حدوث اضطراب كبير في عمل النظام، وهذه الملاحظة أشار إليها عدد من خبراء الاستخبارات الأمريكيين.

إضافة إلى ذلك، فإن سيناريو الاختطاف مستبعد تكراره في إيران حتى الآن، ومن ثمّ يصعب أن يتجدد لغز اختطاف الرئيس مادورو. كما لا يُتوقع أن يتغيّب الأمن الإيراني، كما غاب أمن وجيش فنزويلا، عن مشهد اختطاف رئيس بلادهم بتلك الصورة المهينة.

ومرجع ذلك أسباب عدة، من أهمها القدرة العسكرية المتباينة في الحالتين، وحقيقة صلابة الشعور الوطني والعقائدي لدى الكثير من المسؤولين الإيرانيين في حماية بلدهم ورموزهم، رغم وجود اختراق أمني داخل داخل بعض المؤسسات الإيرانية، مع ذلك، يظل سيناريو الاغتيالات هو الأقرب للحدوث من سيناريو الاختطاف حتى اللحظة.

ومما يستحق الإشارة هنا هو الوزن العسكري الإيراني، الذي تراعيه الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي الوقت الذي تبلغ ميزانية فنزويلا العسكرية 4 مليارات دولار، فإن إيران تتجاوز 23 مليار دولار.

بالإضافة إلى أن دفاعات فنزويلا المضادة للطائرات، تقتصر على صواريخ “إس-125″ و”إس-300″ الروسية القديمة، لكن على المستوى الإيراني فإن طهران نجحت في امتلاك تكنولوجيتها الخاصة (بافار 373 وكارديد)، وطورت بعض قدرتها على اكتشاف وربما إسقاط طائرات ذات تكنولوجيا متقدمة.

في نفس هذا السياق، ووفقا لفالي نصر، المحاضر بجامعة جونز هوبكنز في حوار معه على قناة الـ”سي إن إن” الناطقة بالإسبانية، تعليقا على اغتيال المرشد الأعلى، قال: “يمكننا أن نقتل الرأس، لكن النظام تم بناؤه ليستمر في العمل”.

وأضاف فيما معناه أن إسرائيل زعمت أنها قتلت 40 من كبار القادة العسكريين الإيرانيين في يونيو/حزيران الماضي، لكن قدرة النظام على العمل ظلت على حالها.

ثالثا، وبالنسبة للإستراتيجية التي اتبعتها الرئيسة الفنزويلية المؤقتة، ديلسي رودريغيز للعب دور البديل المحلي، يحاول بعض المحللين اللاتينيين المتعاطفين معها، تبرئتها من تهمة “التواطؤ” التي يرددها جانب كبير من الرأي العام والطبقة السياسية، ويصفون موقفها بأنها “انحنت” كي تحمي فنزويلا و”لا تدكّ عظام الجميع”!

غير أن هذا الدور غير وارد على الأرجح وفق بعض المحللين في الحالة الإيرانية، حيث يعتبر المحلل الإسباني ألبرتو برييغو، أن الطبيعة النفسية الإيرانية لا تسول لصاحبها هذه الفكرة، لأنها تتعارض قطعا مع طبيعة النظام والأساس الأيديولوجي الذي يقوم عليه الفهم السياسي للدولة.

وبالتالي فإنه من غير المتصور أن يتولى أي شخص داخل النظام الإيراني – في هذه اللحظة – دور ديلسي رودريغيز، لأن أي تعاون في هذا السياق وتحت القصف سوف ينظر له باعتباره يمس بالسيادة والولاء الوطني وهو أمر حساس في ايران.

وبالإضافة إلى كل ما تقدم، هناك معطيات خاصة بالحالة الإيرانية تجعلها مختلفة عن الحالة الفنزويلية، لا سيما فيما يتعلق بتاريخ البلاد مع الحروب وطبيعة المواطن ونظرته لمبادئ مثل السيادة والشهادة في سبيل الوطن في كلا البلدين.

إن الوزن الديمغرافي يمثل عقبة بالتأكيد للقوة الأمريكية في حال كانت فكرة الغزو ممكنة، حيث إن عدد سكان إيران يشارف على 100 مليون نسمة، وهو رقم يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف عدد سكان فنزويلا، فضلا عن الطبيعة الثقافية المختلفة تماما عن شعوب القارة الأمريكية شمالا وجنوبا.

فهو شعب تعود التأقلم مع حالات الحرب التي تعيشها بلاده منذ نصف قرن، ومكّن حكوماته المتعاقبة من الصمود والمقاومة، وتعزيز قدراتها العسكرية.

في المقابل، لا يملك الشعب الفنزويلي طول النفس ذاته، فمعاناته من الحصار الأمريكي لا تقارن بالحالة الإيرانية، ثم إن طبيعة فنزويلا الخصبة الغنية بالمياه والزراعة، لم تجعل الفنزويليين يوما يعيشون الخصاصة، إذا اعتبرنا أساسيات الغذاء مفقودة في إيران؛ بسبب المياه والطبيعة الجدباء في أغلب البلاد.

في العموم، من الواضح أن الرئيس ترمب بوضعه الهدف الفنزويلي والإيراني نصب عينيه منذ فترة رئاسته الأولى في 2017، يتبع نظامي عقوبات متنوعة على البلدين، يقودان إلى إضعافهما في النهاية.

حيث اعتمد في الأول على خنق فنزويلا اقتصاديا والنفخ في معارضتها، لا سيما مع الاعتراف بزعيم المعارضة خوان غوايدو كرئيس مؤقت في 2019، وإغواء ماريا ماتشادو بخلافة مادورو، مرورا بتسليط العزلة الدبلوماسية وتجفيف الموارد النفطية بنية؛ احتكار التنقيب عنها وتكريرها للشركات الأمريكية، وصولا إلى اقتلاع الرئيس مادورو بالقوة، وتركيع باقي تركيبة النظام.

أما في الحالة الإيرانية فقد كان الهدف أكثر تعقيدا، وذلك بتركيزه على تضييق الخناق على البلاد، وتدمير القدرات العسكرية المتنامية وتصفية رجال النظام (قاسم سليماني عام 2020، مثالا)، وبالتأكيد كبح جماح تقدم المشروع النووي من خلال القصف المباشر على الأهداف، دون أدنى اعتبار للطرق الدبلوماسية.

وإن كان المخطط الأول قد نجح، على ما يبدو في فنزويلا، في زمن قياسي وبأقل كلفة، فإن إيران عطلت تحقيق أحلام المخطط الثاني وجعلت دائرته تتسع في الزمان والمكان، بشكل لا يوحي بتحقيقه قريبا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى