كيف يفكر الرئيس الصيني في حروب ترمب؟

مازن النجار – الجزيرة:
الآن تدق الحروب أبواب منطقتنا، حيث قُذف بدول الخليج والمنطقة في عين العاصفة، واستعرت خطوط النار، وتمددت شظاياها، وليست هذه المواجهة إلا جزءا من حروب ومواجهات شهدها العقد الأول من هذا القرن الذي واكب أحداثا وتحولات مفصلية، خاصة إعلان الولايات المتحدة حربا عالمية على “الإرهاب” في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.
وشملت الأحداث غزو واحتلال أفغانستان (2001)، ثم غزو واحتلال العراق (2003)، ومشروعات شرق أوسط “جديد” أو “كبير”، ونشر الديمقراطية قسرا وإكراها، وفوضى كوندوليزا رايس الخلاقة.
أسفرت هذه المغامرات عن تكلفة تقدر الآن بستة تريليونات دولار. وكان ذلك العقد مفتتح موجة حروب وتدمير تاريخية للعالم الإسلامي، امتدت من أفغانستان إلى غزة، ولبنان، ومرت بالعراق، واليمن، وسوريا، وليبيا، والسودان. وأسفرت عن ملايين الضحايا والنازحين وانهيار سياسي اقتصادي واجتماعي.
صعود صيني وإفلات روسي
كان انشغال الولايات المتحدة بالحرب على الإرهاب، قد جعل ذلك العقد والذي تلاه من أزهى عقود الصعود الصيني اقتصاديا وسياسيا وإستراتيجيا، وكذلك تمكنت روسيا بقيادة فلاديمير بوتين من الإفلات من براثن الاختراق الغربي، والتفتيت والأوليغارشية المتواطئة مع الغرب والصهيونية.
وأذكر أن المفكر الراحل، عبد الوهاب المسيري، قد روى عن دبلوماسي عربي التقى نظراء له صينيين وربما روسا، وكيف أنهم عبروا له عن امتنانهم لدور العرب في إشغال الولايات المتحدة سنوات لا تقدر بثمن في مسيرة الصعود الصيني، والإفلات الروسي.
مرت تحت الجسر مياه كثيرة في نهر العلاقات الدولية: الصينية الأمريكية، والصينية الروسية، والأمريكية الأوروبية حتى بلغنا السنوات الأخيرة، حيث آلت عجلة قيادة أمريكا والغرب إلى دونالد ترمب، والذي وصفه بعض خبراء العلاقات الدولية في رئاسته الأولى بـ”المخرب الأعظم” للنظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وما زال ترمب يمارس هذا الدور بإصرار وعزم.
إعلان
في العقد الأخير، اتخذت العلاقات الأمريكية الصينية أشكالا متفاوتة، من الاشتباك والتدافع والتنافس، وأخيرا الصراع على القمة. وكان وصول شي جين بينغ إلى زعامة الحزب الشيوعي ورئاسة الدولة وهيمنته عليهما، مؤشرا على مرحلة جديدة غير مسبوقة في السياسة الصينية.
فتحولت من تقليد مديد- أرساه دينغ هسياو بينغ- يظهر التواضع والتكتم وعدم التحدي أو استعراض القوة، إلى تقليد جديد يظهر تراكم القوة الصينية وتمددها والقدرة على التحدي والتدافع والرد المتناسب مع المواقف الأمريكية والغربية العدائية، والانتشار حول قارات العالم من خلال مبادرة “الحزام والطريق”، وتأكيد الهيمنة على بحر الصين الجنوبي، والتسلح المتقدم والتفوق التكنولوجي المتسارع.
فرصة إستراتيجية
ورغم صعود شي قبل ظهور ترمب بسنوات، لكن المفارقة التاريخية أن نمط شخصية شي هو أنسب أنماط الرؤساء الذين تعاقبوا على قيادة الصين، من حيث قدرته على مواجهة محاولات الاحتواء والتطويق التي شهدتها فترات جو بايدن وترمب.
في ضوء “حروب ترمب”: التجارية ضد الصين، والهند، وروسيا، وأوروبا، وكندا، والجنوب العالمي، والعسكرية الآن ضد إيران، والتهديدات الجيوسياسية ضد فنزويلا، والمكسيك، وكوبا، وغرينلاند (الدانمارك) وكندا؛ يرى شي والقيادة الصينية أنها تمثل فرصة إستراتيجية نادرة أكثر من كونها تهديدا؛ لأنها تسرع بتفكيك الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، والتي تعيق صعود الصين عالميا.
وكان الرئيس شي في خطاباته خلال عامي 2025 و2026 قد دأب على وصف “الفوضى الأمريكية” كـ”فرصة للصين لقيادة عالم متعدد الأقطاب”، مشددا على “التفاهم مع روسيا” كشريك في مواجهة “الحروب الهجومية الأمريكية”.
ويبدو أن بكين ترى أن استمرار هذه “الحروب” حتى 2028 سيعيد رسم خريطة النظام الدولي لصالحها، طالما بقيت هي “الدولة المسؤولة” اقتصاديا.
فهذه الحروب والتهديدات تستنزف واشنطن وتغرقها في تكاليف باهظة اقتصادية وعسكرية، تضعف قدرتها على المنافسة مع الصين، وتعزز البديل الصيني بالمحيط الهادئ، وآسيا الوسطى، وأفريقيا.
كما تضعف الحلفاء الأوروبيين في حلف الناتو، وتدفعهم نحو صفقات طاقة مع روسيا، خاصة بعد التهديدات المحيطة بمضيق هرمز وارتفاع أسعارها، وتكاليف الشحن، والتأمين البحري.
كما تشتت حروبه وتهديداته اهتمام الرأي العام الأمريكي والعالمي عن سعي الصين لاسترداد تايوان والهيمنة على بحار الشرق الأقصى، مما يمنحها وقتا لتعزيز وتطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية.
قيادة.. قنابل.. قوات خاصة!
مؤخرا، كشف مؤتمر ميونخ للأمن (2026) ليس عن أفول النظام الدولي القديم فقط، بل عن تنافس واشنطن وبكين علنا لإعادة تشكيله، بينما تكافح أوروبا لمواكبة هذا التنافس.
الخطابان اللذان كان لهما الأثر الأكبر في المؤتمر ألقاهما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ووزير الخارجية الصيني وانغ يي، واللذان كشفا عن مخططات متنافسة للنظام العالمي القادم.
خطاب روبيو لم يكن مجرد نقد لنظام ما بعد الحرب الباردة، بل كان إعلانا بضرورة استعادة الصدارة والهيمنة الأمريكية كمبدأ تنظيمي للغرب. لم تختفِ سياسات القوة قط، بل اختارت الولايات المتحدة ببساطة إخفاءها وراء لغة المؤسسات.
يكمن التحول البنيوي في صياغة واحدة موجزة: الولايات المتحدة مستعدة للعمل بمفردها، مع أنها تفضل العمل الجماعي بما يتوافق مع مصالحها. وستستمر إعادة التصنيع، واستقلالية سلاسل التوريد، وإنفاذ قوانين الحدود بغض النظر عن أي اعتبار.
ويلاحظ أنه بينما يستند إلى السيادة بمواجهة القيود فوق القومية، فإن السلوك الأمريكي الراهن: عقوبات خارج الحدود الإقليمية، وتهديدات بشأن غرينلاند، وفنزويلا، وحرب مفتوحة على إيران؛ والسيادة يدافع عنها انتقائيا. فهي تطبق لحماية حرية الولايات المتحدة في العمل، لا لعرقلة أهدافها الإستراتيجية.
ووفقا لرؤية ترمب، رفض روبيو صراحة القيود المؤسسية، واعتبر أن الأمم المتحدة فشلت في غزة وأوكرانيا وإيران وفنزويلا، وأن “الأمر يتطلب من أمريكا قيادة.. قنابل.. قوات خاصة”.
والدلالات صارخة: مؤسسات النظام الدولي بلا قيمة في اللحظات الحاسمة، والقانون بدون قوة مجرد خيال. وهذا يشير لتحول من “نظام قائم على القواعد” إلى نظام قائم على القوة بقيادة أمريكية. كانت الرسالة واضحة: ولى زمن تراجع الغرب المدار. وحروب ترمب تظهر عودة الغرب للمنافسة المفتوحة.
لماذا تفشل المؤسسات الدولية؟
سعى الدبلوماسي وانغ يي المقرب من الرئيس الصيني في مداخلته بالمؤتمر لإعادة تعريف النظام الدولي من خارج المنظومة الغربية. وحذر من عودة “قانون الغاب”، في نقد مباشر لخطاب القوة الذي تتبناه واشنطن.
ورأى أن سياسات القوة قد عادت لأن ترمب وأضرابه لا تخلو توجهاتهم من الاندفاع. بينما برر روبيو العمل الأحادي بفشل المؤسسات، أشار وانغ إلى أن المؤسسات تفشل بسبب تجاوزها، من قبل القوى الكبرى.
استشهد وانغ بمبادرة شي جين بينغ لـ”الحوكمة العالمية”، وشدد على المساواة السيادية، وسيادة القانون، والتعددية. وراء هذا الخطاب طموح لإعادة تموضع الصين شريكا في صياغة القواعد العالمية.
لا تسعى بكين بحسب وانغ لتفكيك النظام الدولي، بل لإعادة ضبطه نحو سلطة متعددة الأقطاب وتمثيل الجنوب العالمي. لذلك، فإصراره على إحياء منظومة الأمم المتحدة، ليس مجرد شعار، بل هو توجه صيني إستراتيجي.
فالمؤسسات تقيد القوة العسكرية الأحادية، وتعتبرها بكين عامل استقرار إزاء الهيمنة الأمريكية. كما أن الدفاع عن الشرعية متعددة الأطراف درع ضد الهيمنة.
إعلان وانغ أن “الجنوب العالمي ينهض جماعيا” يشير لبناء تحالفات. تسعى الصين لتعزيز تمثيلها للعالم النامي وتغيير موازين القوى المؤسسية تدريجيا. ولا تحتاج لهيمنة فورية إذا استطاعت إعادة تشكيل هياكل صنع القرار.
وفيما يتعلق بغزة، وإيران، وأوكرانيا، وفنزويلا، يشدد وانغ على الحوار والحكمة والوساطة والسيادة، مبدأ ثابتا لا يؤيد العقوبات، ولا إضفاء الشرعية على الضربات الأحادية، ولا إدانة صريحة لحلفاء الصين.
التوطيد مقابل إعادة التوزيع
التناقض جلي بين الرؤيتين الأمريكية والصينية. تفترض واشنطن الاصطفاف عبر نفوذها الضمني في شكل تكامل حلف الناتو، وهيمنة الدولار، والتعاون الاستخباراتي، والاعتماد الدفاعي. بينما تروج بكين للاستقلال؛ لأنها لا تستطيع فرض الاصطفاف.
لقد كشف مؤتمر ميونخ عن إستراتيجيتين متباينتين: التوطيد من خلال النفوذ من جانب الولايات المتحدة، والإقناع عبر سردية التعددية القطبية من جانب الصين.
يتمحور الصراع الناشئ بين منطقين تنظيميين: منطق توطيد غربي مطرد للقوة يرتكز على صدارة وهيمنة الولايات المتحدة؛ ومنطق إعادة توزيع متعدد الأقطاب يتمحور حول التوازن المؤسسي.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، انحرفت السياسة العالمية ضمن إطار متفق عليه نحو الأحادية القطبية. وأوضح مؤتمر ميونخ أن هذا الجنوح قد انتهى. وتجري إعادة التفاوض على النظام علنا.
يرى علماء العلاقات الدولية أن السؤال ليس إن كان نظام ما بعد الحرب الباردة سيبقى كما هو، فهو لن يبقى. بل السؤال: هو ماذا سيحل محله؟ ومن يحدد حدود القوة ضمن البديل الجديد؟!
ولعل ما تسفر عنه الحرب الدائرة الآن ما يجيب عن ذلك.




