كيف أصبح المغرب محورا في الاستراتيجية الأوروبية؟

كتب محمد الصالحين الهوني, في العرب:
المغرب استطاع خلال العقدين الماضيين أن يرسخ موقعه كدولة محورية في شمال أفريقيا، تجمع بين الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي والقدرة على إدارة ملفات إقليمية معقدة.
تدخل العلاقات بين المغرب وأوروبا مرحلة جديدة تتسم بقدر أكبر من البراغماتية والاعتراف المتبادل بالمصالح الاقتصادية والأمنية. معاهدة الصداقة المرتقب توقيعها بين الرباط وباريس خلال العام الحالي تعكس تحولا في إدراك فرنسا لمكانة المغرب كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه، خصوصا في ملفات الطاقة، الاستثمار، وسلاسل التوريد. هذا التحول يأتي في سياق أوسع، حيث تبحث أوروبا عن شركاء موثوقين في جنوب المتوسط وأفريقيا لتعويض تراجع نفوذها التقليدي ومواجهة تحديات الأمن الطاقي والهجرة والاضطرابات الجيوسياسية.
المغرب استطاع خلال العقدين الماضيين أن يرسخ موقعه كدولة محورية في شمال أفريقيا، تجمع بين الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي والقدرة على إدارة ملفات إقليمية معقدة. فرنسا، التي فقدت الكثير من نفوذها في منطقة الساحل، ترى في المغرب بوابة نحو أفريقيا الأطلسية ودول الساحل، ونموذجا للتعاون جنوب – جنوب يمكن البناء عليه. هذا الإدراك يفسر حجم الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية منذ إعلان باريس في 2024 دعمها الصريح لمغربية الصحراء، وتحويل هذا الدعم إلى جزء من عقيدة الدولة الفرنسية.
توقيع معاهدة بهذا الحجم مع فرنسا يبعث برسالة قوية إلى الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي: المغرب ليس مجرد تابع أو حليف تقليدي، بل قوة إقليمية محورية يجب التعامل معها كشريك استراتيجي
الأهمية العملية لهذه المعاهدة تتجلى في الملفات الاقتصادية. المغرب أصبح لاعبا رئيسيا في أسواق الطاقة المتجددة، حيث تستهدف الهيئة الوطنية لتنظيم الكهرباء رفع القدرة المركبة من الرياح والشمس من حوالي 2.600 ميغاواط في نهاية 2024 وبداية 2025 إلى أكثر من 9.000 – 10.000 ميغاواط بحلول 2029 – 2030، وهو ما يمثل زيادة تقارب أربعة أضعاف. مشاريع مثل محطة ترفاية للرياح (التي تنتج حوالي 1.000 – 1.200 غيغاواط/ساعة سنويا) ومشاريع الطاقة الشمسية في مناطق مثل ورزازات وتيزنيت تمثل جزءًا من استراتيجية وطنية لتقليل الانبعاثات وتعزيز استقلالية الطاقة. هذه الأرقام تجعل المغرب شريكا استراتيجيا لأوروبا في مساعيها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي أو النفط القادم من مناطق غير مستقرة.
إلى جانب الطاقة، المغرب يمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة من الفوسفات عالميا (حوالي 50 – 70 في المئة من الاحتياطيات العالمية)، وهو أكبر مصدر عالمي للفوسفات ومشتقاته. في النصف الأول من 2025، بلغت صادرات الفوسفات ومشتقاته حوالي 46 – 47 مليار درهم، بزيادة تقارب 19 في المئة عن العام السابق. هذه الأرقام تضع المغرب في موقع استراتيجي في الأمن الغذائي العالمي، وتجعل التعاون مع أوروبا في هذا القطاع ضرورة لضمان استقرار سلاسل التوريد الحيوية.
الاستثمارات الفرنسية المرتقبة في الأقاليم الجنوبية للمملكة تمثل اعترافا واقعيا بالسيادة المغربية، لكنها أيضا تعكس رغبة باريس في تأمين موقع اقتصادي جديد في سوق أفريقية واعدة. هذه الاستثمارات ستفتح الباب أمام مشاريع تنموية كبرى، وتمنح فرنسا موطئ قدم في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة المتجددة، التعدين، والبنية التحتية. بالنسبة للمغرب، هذه الاستثمارات تعني تعزيز التنمية المحلية، وخلق فرص عمل، وتوسيع قاعدة اقتصاده بعيدا عن الاعتماد المفرط على النفط والغاز.
العلاقات مع إسبانيا تسير في اتجاه مشابه. مدريد تعتبر الرباط شريكا لا غنى عنه في سياسة الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي، وتعمل على تطوير مشاريع استراتيجية مثل النفق البحري بين طنجة والجزيرة الخضراء لتعزيز الربط بين أوروبا وأفريقيا. هذا المشروع، عند اكتماله، سيغير قواعد اللعبة في التجارة الدولية، حيث سيجعل من المغرب نقطة عبور رئيسية للبضائع والطاقة بين القارتين.
الاتحاد الأوروبي بدوره ينظر إلى المغرب كحجر زاوية في استقرار الجوار الجنوبي. الاتحاد هو الشريك التجاري الأول للمغرب، إذ استحوذ على 59 في المئة من تجارة المغرب في السلع عام 2024، وذهب 67.7 في المئة من صادرات المغرب إلى أوروبا. هذه الأرقام تؤكد أن العلاقة الاقتصادية بين الطرفين ليست مجرد تعاون، بل اعتماد متبادل. أوروبا تحتاج إلى المغرب لتأمين سلاسل التوريد في الطاقة والفوسفات، والمغرب يحتاج إلى أوروبا كأكبر سوق لصادراته وكأكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
المعاهدة المرتقبة مع فرنسا إعلان عن ميلاد عهد جديد، يضع المغرب في موقعه الطبيعي كقوة إقليمية محورية وجسر استراتيجي بين أوروبا وأفريقيا
لكن أهمية المغرب لا تقتصر على علاقاته مع أوروبا، بل تمتد إلى دوره كجسر نحو أفريقيا. الرباط تقدم نموذجا للتنمية والتعاون جنوب – جنوب، وتلعب دورا محوريا في تعزيز الاستقرار في الساحل وأفريقيا الأطلسية. في ظل تراجع الحضور الفرنسي في المنطقة، يبرز المغرب كفاعل قادر على ملء الفراغ وتقديم حلول واقعية للتحديات الأمنية والتنموية. المغرب يستثمر في علاقاته الأفريقية عبر مشاريع اقتصادية واستثمارات استراتيجية، ويعزز حضوره الدبلوماسي في القارة. هذا الدور يجعله شريكا لا غنى عنه لأوروبا التي تبحث عن بوابة آمنة وموثوقة للتواصل مع أفريقيا. الرباط، بفضل موقعها الجغرافي وتوازنها السياسي، توفر هذه البوابة وتمنح أوروبا فرصة لإعادة صياغة علاقاتها مع القارة السمراء.
توقيع معاهدة بهذا الحجم مع فرنسا يبعث برسالة قوية إلى الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي: المغرب ليس مجرد تابع أو حليف تقليدي، بل قوة إقليمية محورية يجب التعامل معها كشريك استراتيجي. هذا التحول يعزز الموقف المغربي في قضية الصحراء، ويمنح الرباط قوة إضافية في المحافل الدولية. المعاهدة المرتقبة مع فرنسا، إلى جانب التعاون المتزايد مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، تعكس إعادة صياغة شاملة للعلاقات الأوروبية – المغربية على أسس جديدة، تجعل المغرب شريكا لا مجرد تابع. هذه العلاقات الجديدة تقوم على المصالح المشتركة والرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، بما يضمن استقرار المنطقة ويعزز مكانة المغرب كفاعل إقليمي ودولي.
اليوم، المغرب يفرض نفسه كقوة إقليمية محورية. أوروبا بحاجة إلى المغرب بقدر ما يحتاج المغرب إلى أوروبا، في معادلة متوازنة قائمة على المصالح المشتركة. المغرب، بفضل موقعه الجغرافي وقدراته الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، يفرض نفسه كقوة لا غنى عنها في معادلات الأمن والتنمية. أوروبا تدرك هذه الحقيقة، وتسعى إلى تعزيز شراكتها مع الرباط على أسس استراتيجية طويلة الأمد. هذه الشراكة لا تخدم فقط مصالح المغرب وأوروبا، بل تساهم أيضا في استقرار القارة الأفريقية وتعزيز التعاون الدولي.
المعاهدة المرتقبة مع فرنسا إعلان عن ميلاد عهد جديد، يضع المغرب في موقعه الطبيعي كقوة إقليمية محورية وجسر استراتيجي بين أوروبا وأفريقيا، ويؤكد أن الرباط أصبحت مركز ثقل في معادلات السياسة والاقتصاد الدوليين.




