رأي

قطر.. فنون المبادرة والمؤازرة

كتب عبدالله بشارة في صحيفة القبس.

أتابع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تنعقد الآن في الدوحة عاصمة قطر، بدعوة من حكومتها، بكثير من الإعجاب، وبشيء من الاستغراب، فأكثر ما يعجبني في قطر تواصل مبادراتها، مزينة بتقبل الأعباء مهما تضخمت، وبكثير من الرضا الذي يتمثل في دقة الترتيبات وتوفرها، والامتثال لأثقال الضيافة مهما تنوعت مساراتها. واكتب هذا التعليق من معرفة للمتطلبات، التي يستوجب إحضارها ليتحقق النجاح لأعمال الجمعية العامة، جلست عشر سنوات مندوباً دائماً للكويت في الأمم المتحدة، لم تخرج الأمم المتحدة من مقرها في نيويورك خلال هذه السنوات، مع إدراك الدول الأعضاء للشروط، التي ينبغي استحضارها، وهي متطلبات لازمة لعمل الأمم المتحدة، وأثقلها آليات الخدمات من مكينة الترجمة الفورية والتوثيق لكل ما يقال في اجتماعاتها، وكل ما يكتب من قراراتها، مع نشرة يومية توجز الوقائع، التي تحدث كل يوم من أيام أنشطتها.
وفوق ذلك، تنطق الأمم المتحدة بلغات عدة، من الانكليزية، والفرنسية، والروسية، والصينية، والعربية، والأسبانية، تنقل بكل موظفيها، من مترجمين، ومحررين، وطباعين، ومسهلي أعمال، وغير ذلك، تنقل وفود مئة وست وأربعين دولة عضواً، غير المراقبين، ويرافقها جيش من الصحافيين، ومئات من المحررين، كل واحد يحتاج الى غرفة في فندق او تجمع، إضافة الى أعداد الوفود التي لا تقل عن خمسة أشخاص، تحسباً لتشكيل لجان واجتماعات للممثلين من كل قارة أو تجمع، مع اكتمالات طلبات عدم الانحياز ومراقبين، مثل منظمة التحرير الفلسطينية وغيرها. وفوق ذلك لا بد من توفير الخدمات، التي اعتادت الدول على تواجدها، وهي تسهيلات للتنقل، وغرف للجان وللتجمعات القارية، هذا مسح مبسط عن الأثقال، التي تتحملها قطر الآن في استضافتها للجمعية العامة للأمم المتحدة. نتابع حيوية التحرّك القطري في مختلف المسارات، بالتوسط في معظم الحالات، فلا تتوقف لتأمين سلامة المسارات، ولا تتردد في حمل صيغ مختلفة لتجاوز الخلافات، ولا تضعف في جهدها، ولا تتضجر من صبرها، ولا تتساءل عن تكاليفها، وتقدم في أدب التوسطات مثالاً في صبرها وفي سخائها، وفي نظافة نواياها، ويتواجد هذا المنحى في كل حارة من الحارات الضرورية للنجاح.

تابعنا تواجدها رفقة الولايات المتحدة ومصر وتركيا في تأمين الطريق في قمة شرم الشيخ للسلام، التي رسمت طريقاً واضحاً لمستقبل القضية الفلسطينية، في تأكيد على أن علاجها يتحقق عبر الدولة الفلسطينية، وهكذا كان التوجّه في فضاء قمة شرم الشيخ للسلام، ولا شك بأن قمة شرم الشيخ للسلام صاغت آخر وصفة للمشكلة، شاركت فيها الولايات المتحدة، وتولى الرئيس الامريكي دونالد ترامب قيادتها، وأهم المنجزات التحاقه والولايات المتحدة كرفيق استراتيجي للحل النهائي للمشكلة.

لم تغب قطر عن هذه الشبكة المرهقة من التفاصيل، وأظهرت حميمية في تعاطفها مع حقوق شعب فلسطين، وأمّنت الثقة الجماعية من المجتمعين الممثلين لكل القارات، بحضور السكرتير العام للأمم المتحدة، التي ستكون طرفاً مشاركاً في تنفيذ مشروع الحل النهائي.

لا جدال بأن دولة قطر نجحت، وبأسلوب عالٍ وفعّال، في الترحيب بالانتقال الى الدوحة، والى ضفاف الخليج، صاحب الموقع الاستثنائي في الأمن العالمي، وفي فضاء مجلس التعاون، وما يحمله ذلك من تأكيد على أهلية قطر، كفاعل مؤثر في العلاقات بين دول العالم وشعوبه، موظفاً مصداقية صلبة، ومرحباً بثقل الأعباء، ومعتزاً بجمال التقدير لسجله النزيه، كما كسبت قطر سمعة كبيرة في سعة الصدر، التي تزين مسعاها، وكسبت قناعة الأمم المتحدة بأنها وفية لوعودها، لا يفتر حماسها، ولا تنطفئ شعلتها في الملاحقة، حتى الوصول الى حل يرضها. وتلفت النظر تلك الحيوية، التي تجمع المبادرة والمؤازرة، وهي تلاقي الجهد وإرادة تطويع المعارضات، وإزالة العقبات، ومسح دروب العمل بنعومة المسار، لا تتوقف عند عارض غير متوقع، فلا سماح لأشواك تجرح، ولا قبول لكلام غاب عنه الوضوح. حققت قطر في علاقاتها الثنائية تفاهمات غير عادية في علاقاتها مع الشركاء، مساهمة في فاعلية تحركاتها وعلو مصداقيتها، ولا بد في هذا المنحى أن أشير الى الفاعلية الإيجابية في تحركات سمو الأمير، الشيخ تميم بن حمد، أمير دولة قطر، ناقلاً معه، أينما يكون، حميمية بمواصفات دبلوماسية قطر تؤمن لها ترحيباً من كل الأبواب، وأينما يكون الشيخ تميم يبقى حاملاً الكثير من صدق الأقوال ونعم الأفعال، وتصاعدت في جودة قيادته نقاوة التفكير وصدق المفردات.

ولا جدال بأن حصيلة قطر وإيجابية تحركاتها وارتفاع صيتها في التواصل في المجتمع العالمي، تشكّل حصاداً إيجابياً ومؤثراً في فاعلية مجلس التعاون، الذي ينتفع من ارتفاع مقام الأعضاء في نادي الترابط العالمي.

هذا المقال يحمل الثناء لدبلوماسية قطر، التي تحقق ظاهرتين هما: المبادرة والمؤازرة، وتحسن قطر التصرف مع هذين العاملين، اللذين يشكلان قاعدة الانطلاق في جهد دولة قطر تجاه النزاعات واستنهاض روح التوافق، وأردد ذلك بكثير من الإعجاب بجرأة المبادرة ولطافة المؤازرة، ويزيد إعجابي بقدرة قطر على إخضاع ما تملك لخدمة دبلوماسيتها، التي تؤمّن لها السلام والتقدم وصداقة الجميع، وإخضاع الثروة لعلو الأهداف يستدعي نوعاً من فنون الدبلوماسية، التي تعرفت عليها قطر وأقلمتها لخدمة الوطن.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى