قد تُمهد تدخلات ترامب الخارجية الطريق أمام دول المدن الفاشية التكنولوجية للاستيلاء على السيادة.

بيث جيجليا – تروث أوت:
في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، كان تيم ستيرن، المستثمر الألماني، نائماً بسلام في منزله بفنزويلا عندما رنّ هاتفه فجأةً على منضدة سريره الصغيرة. وكما أوضح لتيموثي ألين من بودكاست “المدن الحرة”، انهالت عليه المكالمات فور انتشار خبر قصف الولايات المتحدة لكاراكاس في الساعات الأولى من الصباح. وفي غضون ساعات، اتضح أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قد أُلقي “القبض” عليه ويُرسل إلى الولايات المتحدة، وهو ما وصفه ستيرن في “البودكاست” بأنه “بداية طفرة هائلة في فنزويلا”.
كانت مصالح النفط محور الغزو الأميركي لفنزويلا؛ فقد أوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيته “استعادة” النفط الفنزويلي المؤمم لصالح الشركات الأميركية والإشراف على بيع النفط الخام الفنزويلي.
مع ذلك، لا يعمل ستيرن في قطاع النفط. بدلاً من ذلك، هو أحد مؤسسي مشروع سكني قائم على تقنية البلوك تشين يُدعى “كريبتوسيتي”، وهو مشروع عقاري فاخر يمتد على مساحة 35 هكتاراً في جزيرة مارغريتا الفنزويلية.
تعتمد مارغريتا، وهي جزيرة تتمتع بوضع ميناء معفى من الرسوم الجمركية ويبلغ عدد سكانها حوالي 490 ألف نسمة، بشكل كبير على قطاع السياحة، وقد عانت من صعوبات جمة نتيجة للأزمة الاقتصادية التي عصفت بفنزويلا. ومع ذلك، يتم الترويج لـ”كريبتوسيتي” للمستثمرين الألمان والأجانب الآخرين باعتبارها منطقة سكنية حصرية للغاية. وتتباهى بتوفير نمط حياة فاخر لرواد الأعمال ذوي الثروات الكبيرة الذين يتم اختيارهم بعناية فائقة من خلال عملية تدقيق صارمة. يجب أن تتم جميع المعاملات في المنطقة بالعملات المشفرة، ويشكل السكان جزءاً من “مجموعة عقول” تهدف إلى توليد مشاريع تجارية مشتركة من خلال منظمة مستقلة لامركزية (DAO).
تُعدّ مدينة كريبتو سيتي مثالاً على كيفية استفادة حركة المدن الخاصة و”دول الشبكة” المدعومة برأس المال الاستثماري من سياسة ترامب الخارجية.
يُسلّط الضوء على المشروع في صفحة مؤسسة المدن الحرة، وهي جهة رائدة في الترويج للمدن الخاصة بقيادة الخبير الاقتصادي الألماني تيتوس غيبل، والتي دعمت أيضاً المشروع الرئيسي لحركة التحرر الرقمي، وهو منطقة حكم ذاتي في هندوراس تُسمى بروسبيرا زيدي (منطقة التنمية الاقتصادية والتوظيف). ووفقاً لستيرن، بيعت العقارات في مارغريتا بسرعة كبيرة بعد الهجوم الأميركي في 3 كانون الثاني/يناير، لدرجة أن شركته كانت على وشك نفاد الشقق المعروضة للبيع. ارتفعت أسعار العقارات بشكل كبير، واختفت العقارات التي تتراوح أسعارها بين 20,000 و30,000 دولار، وشهدت كريبتو سيتي تدفقاً للمستثمرين المهتمين بزيارة الجزيرة، على حد قوله.
بينما لطالما حلم الليبرتاريون بجيوب سيادية ذات “سوق حرة”، اكتسبت حركة ما يُسمى بالمدن الخاصة، المبنية ضمن ولايات قضائية خاصة تتمتع بقدر كبير من الاستقلال الذاتي، زخماً جديداً بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008. يُعد بيتر ثيل، المؤسس المشارك لشركة بالانتير، أحد أبرز داعمي هذه الحركة. وقد دعم الملياردير في البداية معهد سيستيدينغ وهي منظمة تُروج لاستعمار المحيطات، ثم شركة رأس المال الاستثماري برونوموس كابيتال، وهي من أوائل المستثمرين في بروسبيرا.
في عام 2022، نقل مستثمر العملات المشفرة بالاجي سرينيفاسان هذه الحركة التكنولوجية المستقبلية المتعطشة للأراضي إلى مستوى جديد، مُبتكرًا فكرة “دولة الشبكة”. تُشير دولة الشبكة إلى مجتمع إلكتروني يجمع رؤوس الأموال، ويُشكل “دولة” قائمة على تقنية البلوك تشين، ثم يُوفر الأراضي من خلال التمويل الجماعي ويستغل الثغرات القانونية لبناء أراضٍ شبه وطنية.
قد تفتح القواعد العسكرية الباب أمام السيادة الخاصة
في ختام المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير في “دافوس”، سويسرا، اتخذ خطاب ترامب بشأن غرينلاند منحىً حاداً، مما خفف المخاوف من احتمال نشوب صراع عسكري أو فرض تعريفات جمركية باهظة على الدول الأوروبية. ويزعم ترامب الآن أنه توصل إلى إطار عمل لاتفاق مع حلف شمال الأطلسي “الناتو” بشأن غرينلاند والقطب الشمالي، ويُشاع أنه يشمل أراضٍ ذات سيادة لإقامة قواعد عسكرية أميركية، على غرار الترتيب الذي تتبعه الولايات المتحدة في غوانتانامو، كوبا.
على الرغم من عدم الكشف عن تفاصيل رسمية، وتجنّب ما يبدو أنه صراع أوسع نطاقاً، فإن التنازلات الإقليمية الصغيرة في غرينلاند لا تزال تصبّ في مصلحة حلفاء ترامب من أقطاب التكنولوجيا، وتشكل تهديداً خطيراً للجزيرة. ويعود ذلك إلى أن حتى جيوباً صغيرة من الأراضي الأميركية قد تمهد الطريق أمام مصالح رأس المال الاستثماري في تطوير مناطق ذات اختصاص قضائي خاص تحت مسمى “دولة الشبكة”.
في مطلع ولاية ترامب الثانية، أيّد مشروع “براكسيس”، وهو مشروع ناشئ لدولة الشبكة والذي يُطلق على نفسه في الواقع “إمبراطورية الشبكة” بحماس عزم ترامب على ضم غرينلاند من الدنمارك، معلناً عن خطط لجعلها أول موقع فعلي لدولتهم الرقمية. وبعد أسبوع من انتخاب ترامب، أعلن درايدن براون، أحد مؤسسي “براكسيس”، أنه زار غرينلاند “لمحاولة شرائها”.
في غضون ذلك، تحوّل دعم ترامب لـ”مدن الحرية” داخل الولايات المتحدة (والتي سُميت لاحقاً “مناطق التسريع”)، وهي فرع من مناطق التنمية الاقتصادية والتوظيف في هندوراس (ZEDEs) مثل بروسبيرا، من مجرد وعد انتخابي إلى سياسة رسمية. وقد نشرت منظمة براكسيس المدعومة أيضاً من قبل مجموعة من كبار مستثمري التكنولوجيا والعملات المشفرة، بمن فيهم برونوموس، وبالاجي سرينيفاسان، وباتري فريدمان من معهد سيستيدينغ، وجو لونسديل المؤسس المشارك لشركة بالانتير، وشركة ألاميدا للأبحاث التجارية التابعة لسام بانكمان-فريد، وأبولو فنتشرز (شركة رأس المال الاستثماري التابعة لسام ألتمان من أوبن إيه آي)،منشوراً على موقع البيت الأبيض في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، يظهر فيه الرئيس ترامب داخل نمط يشبه علم براكسيس، مع إضافة ملاحظة: “البراكسيون يسيطرون”. ولا تدع هذه الصورة مجالاً للشك في تحالف ترامب مع هذه الدولة اليمينية المتطرفة.
مع تضاؤل احتمالية سيطرة الولايات المتحدة الكاملة على غرينلاند، تلاشت فكرة إنشاء “مدينة الحرية” في غرينلاند، وهو أمر مفهوم، لكنها لم تختفِ تماماً. فاتفاقية موسعة بين الولايات المتحدة والدنمارك بشأن القواعد العسكرية قد تُتيح فرصاً، وذلك بحسب صياغة بنودها. ويؤكد هذا الاحتمال تركيز شركة براكسيس على الدفاع العسكري واستكشاف الفضاء، وميلها لتصميم مدن مجاورة للمنشآت العسكرية.
في حزيران/يونيو 2025، اقترحت براكسيس مشروع “أطلس”، وهو “مدينة ميناء فضائي ذات توجه دفاعي، تمتد على مساحة 3850 فداناً في قاعدة فاندنبرغ الفضائية” بولاية كاليفورنيا، مُظهرةً بذلك رغبتها في دمج التنمية العسكرية مع خطط الدولة الشبكية. وتقترح براكسيس إطلاق “أطلس” أولًا كمدينة صناعية ساحلية لجذب الكفاءات التقنية المتميزة. ومن شأن قربها من أصول وزارة الدفاع ومنشآت القوات الفضائية في القاعدة أن يُتيح “دورات اختبار ونشر سريعة” لابتكارات تكنولوجيا الدفاع المدعومة بالذكاء الاصطناعي. يُتوقع أن تجذب شركة براكسيس 50 ألف ساكن وتُدرّ دخلاً بقيمة 35 مليار دولار، وتُسوّق مشروع أطلس كوسيلة “للدفاع عن الغرب على الأرض وخارجها”.
خطر التوسع
في هندوراس، استغلّ مستثمرو المدن الخاصة مساحات صغيرة من الأراضي كموطئ قدم للمطالبة بالسيادة ومقاومة الرقابة الحكومية. صُمّم التشريع الداعم لمناطق التنمية الاقتصادية الخاصة (ZEDEs) بحيث تتوسع هذه المساحات الصغيرة بمرور الوقت. تضمن قانون مناطق التنمية الاقتصادية الخاصة في هندوراس، الذي أُقرّ عام 2013، وأُلغي عام 2022، وحُكم بعدم دستوريته في نهاية المطاف من قِبل المحكمة العليا في هندوراس عام 2024، بنوداً رئيسية ضمنت صعوبة احتواء هذه المناطق الخاصة.
على سبيل المثال، نصّ القانون على إخضاع مناطق ساحلية بأكملها ذات كثافة سكانية منخفضة لنظام مناطق التنمية الاقتصادية الخاصة دون استفتاء شعبي أو موافقة برلمانية، كما سمح بدمج أراضٍ جديدة بسهولة في نطاق الولاية القضائية الخاصة في حال بيعها أو ضمّها طوعاً من قِبل مالك أرض خاص.
أرست منطقة بروسبيرا الاقتصادية الخاصة (ZEDE)، الواقعة في جزيرة رواتان بهندوراس، سابقةً في هذا الشأن عندما اشترت ميناء ساتوي، وهو منطقة غير متصلة بالبر الرئيسي لهندوراس، ووضعته تحت سلطة حكومة بروسبيرا. واستمرت بروسبيرا في العمل كإقليم يتمتع بالحكم الذاتي وجذب الاستثمارات حتى بعد أن ألغى حكم المحكمة العليا إطار عمل ZEDE من دستور هندوراس.
تُعدّ براكسيس جهةً متطرفةً بشكلٍ خاص في حركة الدولة الشبكية. يمتزج التعصب الغربي بأوهام استعمار المريخ وتلميحات أيديولوجية تفوق العرق الأبيض في خطاب براكسيس الإلكتروني. فعلى سبيل المثال، يستحضر أحد منشورات براكسيس “إكس” ضرورة إنقاذ “جثة ألبيون” وهو مصطلح يُشير إلى دولة جزيرة مستقلة خيالية في عالم الألعاب، ولكنه يُستخدم أيضاً من قِبل بعض الجماعات القومية العرقية والنازية الجديدة للإشارة إلى بريطانيا أسطورية، ما قبل الحداثة، و”نقية”.
وقد ردّ المعلقون على المنشور بعبارة “يحيا براكسيس”. وفي 6 فبراير 2025، روّجت براكسيس لمنشور “إكس” بعنوان “لنجعل روديسيا عظيمةً مرةً أخرى”، والذي تضمن سلسلةً من مقاطع الفيديو للعنف الاستعماري، وأضافت: “يا براكسيسيين، هل أنتم مستعدون للعمل؟”. روديسيا، وهي دولة استعمارية استيطانية سابقة في زيمبابوي الحالية، والمعروفة بهيمنتها المنهجية على الأغلبية السوداء، تُعدّ رمزاً معترفاً به على نطاق واسع للقومية البيضاء. تستخدم براكسيس مفاهيم ثقافية أخرى تعود لما قبل الفاشية، تبناها لاحقاً الفاشيون الأوروبيون والحزب النازي، مثل مفهوم “المدينة الخالدة” و”روح فاوست”.
وبالنظر إلى مجمل هذه المفاهيم، فإن تجاهل ترامب الصريح لسيادة الدول الأخرى لا يقتصر على زعزعة الأعراف الدبلوماسية فحسب، بل يمهد الطريق لمشاريع المدن الخاصة ومشاريع الدول الشبكية التي تُحيي منطق الاستعمار القديم. وإذا ما اعتبرنا حالة هندوراس مثالاً، فإن التفاصيل القانونية لاتفاقية بين الولايات المتحدة والدنمارك ستكون حاسمة في تحديد حجم الضرر الذي لحق بجزيرة غرينلاند وحق شعبها في تقرير مصيره.




