رأي

في عصر الأسواق الكبرى: أين يقف العرب؟

كتب محمد الصالحين الهوني في صحيفة العرب.

الدعوة إلى بناء سوق عربية كبرى ليست مجرد حلم رومانسي، بل هي ضرورة إستراتيجية تفرضها التحولات العالمية، فالعالم لم يعد يتعامل مع الدول الصغيرة والمتفرقة إلا بوصفها أسواقا هامشية.

يشهد العالم اليوم تحولات عميقة في بنيته الاقتصادية والسياسية، تحولات يمكن وصفها بأنها انتقال إلى “عصر الأسواق الكبرى”، حيث لم يعد النفوذ يُقاس فقط بالقوة العسكرية أو بالقدرة على فرض الهيمنة السياسية، بل أصبح يُقاس بقدرة الدول على بناء أسواق ضخمة متكاملة، قادرة على المنافسة، وعلى حماية مصالح شعوبها في مواجهة التحديات العابرة للحدود. في هذا السياق، تبدو المنطقة العربية وكأنها خارج اللعبة الكبرى، إذ ما زالت تعاني من الانقسامات الداخلية، ومن غياب رؤية إستراتيجية قادرة على تحويل ثرواتها البشرية والطبيعية إلى قوة اقتصادية جامعة.

المتأمل في المشهد الدولي يلحظ أن الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، وحتى الهند، باتت تتحرك وفق منطق السوق الكبرى، حيث تتجاوز حدودها الوطنية لتبني تكتلات اقتصادية قادرة على فرض شروطها في التجارة العالمية، وفي إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وفي التحكم بمسارات التكنولوجيا والابتكار. أما العالم العربي، الذي يمتلك موقعا جغرافيا إستراتيجيا وثروات طبيعية هائلة وطاقات بشرية شابة، فما زال أسير التجزئة، وما زالت دوله عاجزة عن بناء سوق عربية موحدة، قادرة على أن تكون طرفاً فاعلاً في هذه المعادلة الجديدة.

المفارقة أن هذه الانقسامات ليست مجرد عائق اقتصادي، بل هي أزمة إنسانية في جوهرها. فالإنسان العربي، الذي يفترض أن يكون محور السياسة وغايتها، أصبح الحلقة الأضعف في معادلات السلطة. يدفع ثمن الصراعات الداخلية، ويُستنزف في حروب عبثية، ويُحرم من أبسط حقوقه في التعليم والصحة والعمل والكرامة، بينما تتحول السياسة إلى أداة لتكريس الفساد والهيمنة، بدل أن تكون وسيلة لحماية الإنسان وضمان مستقبله.

 

بناء سوق عربية كبرى يمكن أن يمنح الدول العربية قوة تفاوضية أكبر في مواجهة القوى الكبرى، ويجعلها طرفا فاعلا في إعادة تشكيل النظام العالمي.

لقد أثبتت التجارب أن السياسة بلا إنسان تتحول إلى عبث، وأن الاقتصاد بلا تكامل يتحول إلى تبعية. فحين تُدار الدولة بمنطق المحاور الإقليمية، أو بمنطق التبعية للقوى الكبرى، يصبح المواطن مجرد تفصيل جانبي، وتتحول حياته إلى رهينة لمعادلات لا يملك فيها أي صوت. وهذا ما نشهده اليوم في أكثر من بلد عربي، حيث تتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ، بينما يبقى المواطن أسيراً للفقر والبطالة وانعدام الأفق.

إن الدعوة إلى بناء سوق عربية كبرى ليست مجرد حلم رومانسي أو شعار سياسي، بل هي ضرورة إستراتيجية تفرضها التحولات العالمية. فالعالم لم يعد يتعامل مع الدول الصغيرة والمتفرقة إلا بوصفها أسواقاً هامشية، أو ساحات لتصفية الحسابات. أما الدول التي تملك القدرة على بناء تكتلات اقتصادية كبرى، فهي التي تستطيع أن تفرض شروطها، وأن تحمي مصالح شعوبها، وأن تضمن لنفسها مكاناً في النظام العالمي الجديد.

من هنا، تبدو فكرة التكامل المشرقي – المغاربي مدخلا واقعيا لبناء هذا السوق العربي الكبير. فالتعاون بين دول الخليج والمشرق من جهة، ودول المغرب العربي من جهة أخرى، يمكن أن يشكل نواة لتكتل اقتصادي قادر على المنافسة. هذا التعاون لا ينبغي أن يقتصر على التبادل التجاري، بل يجب أن يمتد إلى بناء منظومات إنتاج متكاملة، وإلى الاستثمار في البنية التحتية المشتركة، وإلى توحيد السياسات المالية والنقدية، بما يضمن خلق سوق عربية حقيقية، لا مجرد تجمع شكلي.

لكن بناء هذا السوق لا يمكن أن يتم دون إعادة الاعتبار للإنسان العربي. فالاقتصاد ليس مجرد أرقام، بل هو حياة الناس اليومية، وهو قدرتهم على الحصول على فرص عمل، وعلى تعليم جيد، وعلى خدمات صحية لائقة، وعلى بيئة آمنة ومستقرة. وإذا لم يكن الإنسان محور هذه الرؤية، فإن أي مشروع للتكامل سيظل مجرد بناء هش، قابل للانهيار عند أول أزمة.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الاستثمار في الإنسان هو أساس أي نهضة اقتصادية. فالدول التي نجحت في بناء أسواق كبرى، لم تفعل ذلك فقط عبر الاستثمار في البنية التحتية أو في التكنولوجيا، بل فعلته أساساً عبر الاستثمار في التعليم، وفي البحث العلمي، وفي تمكين الشباب، وفي تعزيز قيم المواطنة والعدالة. وهذا ما يحتاجه العالم العربي اليوم: رؤية تجعل من الإنسان محور السياسة والاقتصاد، لا مجرد ضحية للصراعات.

 

المستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل يُبنى برؤية إستراتيجية تجعل من الإنسان محوراً، ومن السوق العربية الكبرى هدفاً، ومن التكامل المشرقي – المغاربي وسيلة.

إن التحديات التي تواجه العالم العربي ليست قليلة. هناك ضغوط إقليمية متزايدة، وهناك تدخلات دولية مستمرة، وهناك صراعات داخلية لم تجد طريقها إلى الحل. لكن هذه التحديات يمكن أن تتحول إلى فرص إذا ما تم التعامل معها برؤية إستراتيجية. فالتكامل الاقتصادي يمكن أن يكون مدخلاً لحل الكثير من الأزمات السياسية، لأنه يخلق مصالح مشتركة، ويجعل من التعاون ضرورة لا خياراً. كما أن بناء سوق عربية كبرى يمكن أن يمنح الدول العربية قوة تفاوضية أكبر في مواجهة القوى الكبرى، ويجعلها طرفا فاعلا في إعادة تشكيل النظام العالمي.

لقد آن الأوان لأن نقول بوضوح: لا يمكن أن يكون هناك مستقبل للعالم العربي إذا ظل أسير الانقسامات الداخلية، وإذا ظل الإنسان مجرد ضحية للسياسة. المستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل يُبنى برؤية إستراتيجية تجعل من الإنسان محوراً، ومن السوق العربية الكبرى هدفاً، ومن التكامل المشرقي – المغاربي وسيلة. وإذا لم نفعل ذلك اليوم، فإننا سنجد أنفسنا غداً خارج التاريخ، في زمن الأسواق الكبرى، حيث لا مكان للكيانات الصغيرة المتفرقة.

إنها دعوة إلى الشجاعة، وإلى التفكير الإستراتيجي، وإلى تجاوز الحسابات الضيقة. فالعالم يتغير بسرعة، ومن لا يملك القدرة على التكيف مع هذه التحولات، سيجد نفسه مجرد تابع، أو مجرد ساحة لتصفية الحسابات. أما من يملك الشجاعة لبناء رؤية جديدة، تقوم على الإنسان وعلى السوق الكبرى، فسيكون قادراً على أن يكتب فصلاً جديداً في التاريخ العربي، فصلاً يقوم على الوحدة والتكامل، وعلى العدالة والكرامة، وعلى أن السياسة بلا إنسان عبث، والاقتصاد بلا تكامل تبعية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى