فنزويلا والخيارات الأمريكية

الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وفنزويلا ليست مجرد أزمة عابرة يمكن حلها بالوسائل الدبلوماسية، بل صراع مباشر بين استراتيجية أمريكية جديدة تقوم على اعتبار أمريكا اللاتينية مجالاً حيوياً لا يمكن التفريط فيه أو التنازل عنه لمصلحة قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، وبين نظام يسعى لأن يكون خارج المظلة الأمريكية التي تستهدف ثرواته النفطية بالأساس ومناجم المعادن الموجودة على أرضه، من منطلق سيادته الوطنية، ما يجعل فنزويلا نموذجاً لكيفية تعامل واشنطن مع الدول التي تحاول النأي بنفسها عن السياسة الأمريكية.
وعندما يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن فنزويلا «محاصرة بالكامل بأكبر أسطول بحري في تاريخ أمريكا، وستكون الصدمة عليهم غير مسبوقة، إلى أن يعيدوا إلى الولايات المتحدة جميع النفط والأراضي وغيرها من الأصول التي سرقوها منا»، فإنه يعتبر النفط الفنزويلي ومعه الأراضي الفنزويلية ملكية أمريكية خالصة سوف يقوم باستردادها، في تعبير واضح عما يخطط له ويسعى إلى تنفيذه من خلال الحصار البحري، ومصادرة ناقلات النفط المحملة بالنفط الفنزويلي، واحتمال اللجوء إلى عمل بري، إضافة إلى تكليف المخابرات الأمريكية بالعمل السري داخل فنزويلا، واستخدام «محاربة إرهاب المخدرات» ذريعة لقصف زوارق في البحر الكاريبي وقتل من فيها، من دون أي إثبات على أنها محملة بمخدرات.
ربما يعيد التاريخ نفسه ولكن بشكل مأساة، إذ إن فنزويلا تعرضت عام 1902 إلى حصار بحري أوروبي استمر لنحو سنة، شاركت فيه بريطانيا وألمانيا وإيطاليا بأكثر من 20 سفينة حربية بسبب عدم قدرة كراكاس على سداد ديون مستحقة لرعايا أوروبيين، كجزء من ضغط جماعي، بعد تسوية اقتضت رفع الحصار مقابل تخصيص 30 في المئة من عائدات الجمارك لتسديد الديون، لأن النفط لم يكن قد اكتشف بعد في فنزويلا.
بعد انحسار النفوذ الأوروبي عن أمريكا اللاتينية مع مطلع القرن العشرين، وتحول فنزويلا إلى دولة نفطية، صار النفط الفنزويلي جزءاً من منظومة الطاقة الأمريكية من خلال سيطرة شركات مثل «ستاندرد أويل» و«غلف أويل» عليه، إلى أن بدأت الحكومة الفنزويلية السيطرة التدريجية على قطاع النفط، حيث بدأ التأميم الجزئي عام 1943، واستكمل عام 1976، إلى أن جاء هوغو شافيز
إلى السلطة عام 1999، حيث أقدم على سيطرة الدولة بالكامل على قطاع النفط، كما قام بتوسيع علاقات بلاده مع كل من روسيا والصين، واستخدام النفط لدعم كوبا، لتصبح فنزويلا خصماً سياسياً مباشراً للولايات المتحدة في منطقة البحر الكاريبي. وتواصل هذا العداء بعد وفاة شافيز عام 2013 وتولي نيكولاس مادورو السلطة من بعده، حيث واصلت واشنطن الضغط الاقتصادي بفرض عقوبات متدرجة بدأت عام 2015 وتوسعت عام 2017، ثم عام 2019 باستهداف قطاع النفط بالتحديد.
ومع إدارة ترامب الحالية استمر التصعيد، ولكن باستخدام الضغط العسكري والحصار البحري والعمل الاستخباراتي، والتهديد بالغزو «لاسترداد ثروات أمريكية منهوبة»، لأن واشنطن لا تطيق وجود بلد مثل فنزويلا أو مثل كوبا يتحديان سياستها ونفوذها في أمريكا اللاتينية، ويمكن احتواؤهما بالوسائل السياسية، لذلك فإن الخيارات أمامها تتراوح بين التدخل العسكري المباشر، وهو أمر مرتفع الكلفة وقد يؤدي إلى حرب واسعة، وإما تشديد الحصار البحري والعمل من الداخل من خلال المعارضة لإسقاط النظام وهو أمر غير مضمون النتائج، وإما اللجوء إلى المفاوضات بشروط أمريكية وهو خيار أقل كلفة.
المصدر: الخليج




