غزة وكوبا والحصار المُؤدّي إلى الإبادة الجماعية

وراء كُلّ شرور هذا العالم تقف قوةً عظمى واحدةً هي الولايات المتحدة. والجميع يعلم هذا، ومع ذلك لا أحد يستطيع كبح جماحها.
بيلجانا فانكوفسكا – “peoplesdispatch”:
أجد نفسي هذه الأيام أُفكّر في شخصية من فيلم “معركة سوتيسكا”، وهو فيلم قديم عن المقاومة اليوغسلافية، والمعركة البطولية ومناورة الجنرال تيتو التكتيكية البارعة لإنقاذ وحدات المقاومة المحاصرة. ومع أنَّ هذا ليس موضوع حديثي هنا، حتى وإن كُنّا نتحدَّث الآن عن حصار أشدَّ وطأة يحيط بالبشرية. في أحد المشاهد تُحاول الممرّضة الشابَّة دانا، مساعدة رفاقها الجرحى، وهم يتساقطون واحداً تلو الآخر، ويصرخون من كل جانب طلباً للمساعدة من دانا المذعورة، ولا تدري إلى أين تتَّجه أولاً، عاجزةً عن إنقاذ الجرحى المُحتضرين.
قد يبدو هذا مُتكلّفاً، لكنَّني أجد نفسي أكثر فأكثر أتعاطف مع هذا الدور، حتى وإن كانت دانا عاجزةً عن شفاء الجرحى، لكنَّها حاولت وتحرَّكت وقفزت من طرف العالم إلى طرفه الآخر. فإذا لم يستطع المرء أن يساعد، يُمكنه على الأقلّ أن يتكلم، أن يطلق الإنذار. لكن ما الفائدة من ذلك؟ ماذا يُمكن أن تحقّق كلماتنا المكتوبة حقّاً؟ وكأنَّ غزة لم تكن كافيةً لإيقاظ الضمير؟ (بالمناسبة، لقد خدمت كعضوٍ في هيئة الضمير في محكمة غزة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي).
نحن نقفز مثل دانا من مكانٍ إلى آخر، نحاول لفت الانتباه، نحذرُ من إبادةٍ جماعيةٍ جديدةٍ في السُودانِ، والكونغو، في ظل تهديدات عسكرية جديدة مثل الوضع حول إيران، واختطاف قادة سياسيين منتخبين وشرعيين مثل فنزويلا، ورسومٍ جمركيةٍ وعقوباتٍ متنوعةٍ بمجملها غير قانونية، بينما النخب السياسية غير مُهتمَّةٍ إطلاقاً.
بينما ننتظر حدوث “انفجارٍ” ما، ونحذرُ من تصعيدٍ مُحتملٍ، تبدو غزة تتلاشى في الخلفية. وبينما يموت الناس هناك في ظل ما يُسمَّى بمجلس ترامب للسلام، اندلعت الأحداث في فنزويلا بمشاهد مقتبسة من أفلام الأكشن الأميركية، حيث لم يُختطف الرئيس نيكولاس مادورو فقط، بل اُختطفت زوجته أيضاً، ثم تظاهرت محكمة أميركية بأنَّها مُؤسَّسة تُقيم العدل بحقّ رئيس دولةٍ أجنبيةٍ، في حين تُثير ملفّات إبستين اهتماماً ونقاشاً أكبر، (خاصَّةً خيبة الأمل المحيطة بتشومسكي وغيره)، تستمرُّ الجرائم ضدَّ الأطفال، وكبار السن والسجناء والمرضى. فهل خيباتُ أملنا الشخصية وأخطاؤُنا في التقدير هو أهمُّ بالفعل، مما يحدثُ على أرض الواقع؟
وراء كُلّ شرور هذا العالم تقف قوةً عظمى واحدةً هي الولايات المتحدة. والجميع يعلم هذا، ومع ذلك لا أحد يستطيع كبح جماحها. وما يلي ليس سوى كلمات إدانةٍ أخلاقيةٍ ودعم سياسي لأولئك الذين يتعرَّضون لأساليب الولايات المتحدة المختلفة في القتل. وهذا ليس مُفاجئاً، فعبادةُ الموت في الولايات المتحدة تستند إلى خيال غرائبي، ويكفي أن ننظر إلى مسلسلات الجريمة مثل “سي إس آي”، لنرَ الطرق التي لا حصر لها التي يمكن بها قتلُ الإنسان. لكنَّ الدولة الأميركية والسلطة السياسية والعسكرية والتجارية مجتمعة، قد تفننت بهذا الخيال الإجرامي على أممٍ وشعوب ودول بأكملها، تتساقط واحدةً تلو الأخرى مثل قطع الدومينو، ولا أحد يُحرّك ساكناً، بينما لدى الولايات المتحدة أساليب كلاسيكية وغير كلاسيكية لتدمير الدولة، وأكثرها “حداثة” اليوم هي الإبادة الجماعية والخنق وحروب الاستنزاف، وكلُّها بهدف النهب والقضاء على السُكّان الأصليين وتجريدهم من سيادتهم.
قبل بضع سنوات قال لي زميل من بلغراد كان قد عاد من عُطلةٍ في كوبا، “إذا كُنت تنوين زيارة هذا البلد الجميل، فأسرعي في القيام بذلك”. ومؤخَّراً، تحدث أحدهم عن الوضع بطريقةٍ ظلَّت تتردَّد في ذهني لساعاتٍ، عن حصار كوبا الذي يرقى إلى الإبادة الجماعية. فمن السهل أن ننخدع بالاعتقاد بأنَّ أولئك الذين نتضامن معهم شجعان، أقوى من كُلّ شيءٍ، وأنَّهم نجوا من محن كثيرةٍ في الماضي، مما يؤهلهم لتجاوز الحصار الآن. لكنَّ الحقيقة أنَّ كوبا تُواجه الأسوأ منذ زمنٍ طويل، بينما كنا نشاهد أعمال المتطرفة الأميركية دون أن نلتفت إليها، كما كان الحال في العدوان على إيران وسوريا وأي بلد آخر.
منذ 60 عاماً عاشت كوبا تحت الحصار، والآن فقط يشتدُّ الخناق عليها، حيث يُؤكّد ماركو روبيو تطرفه وتعصبه، مع أنَّه وُلد لأبوين كوبيَّين، وأصبح من دعاة مجد الغزاة والمعتدين الأميركيين، الذين لا يطيقون المقاومة أو قيم مُجتمعٍ مُختلفٍ عن مُجتمعهم، الذي يعاني من خلل جوهري. ولقد كان خطابه في مؤتمر ميونيخ للأمن يليقُ بورثة النازية الجديدة والاستعمار الجديد، وما كان أسوأ من الكلمات التي نطق بها هو تصفيق الأوروبيين له.
سأكون صريحةً في الختام، فقد اكتفينا من التحليلات الحكيمة والمراوغات اللفظية. أوَّلاً، أشعر بالخجل من بلدي (مقدونيا)، الذي لا يذكر اسم غزة أبداً، ولا حتى بشكل عرضي، لأنَّ خطابه السياسي خاضع ومُنمَّق للغاية أمام سيده الأميركي. وحتى العام الماضي، على الأقلّ رسمياً، رفعت بلادنا يدها في الجمعية العامة للأمم المتحدة للمطالبة برفع العقوبات غير القانونية المفروضة على كوبا، ووقفنا مع الأغلبية الساحقة، (مع أنَّ الجميع يعلم أنَّ هذا التصويت الرمزي عبثي)، لكن في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أصبحنا أكثر أميركية من الأميركيين أنفسهم، إذ وضعنا أنفسنا ضمن 7 دولٍ فقط صوتت لصالح الإبقاء على العقوبات.
وقد تجرَّأ بعضنا على الكلام، يا للعار! وانتهى الأمر عند هذا الحدّ. حتى “دانا” كان لديها قضايا أخرى تتناولها في كتاباتها، بينما رئيستنا لا تزال تتصوَّر مع الأطفال، كما يليق بجدَّة حنونة، لكنَّها لا تبالي بأطفال غزة أو كوبا، وتلتزم الصمت ولا تذكر من يقتل الأطفال.
ماذا يعني التضامن الدولي اليوم، وقد تغلغل الخوف في نفوس الجميع؟ كُلُّ دولةٍ تنظر إلى مصالحها الحيوية والوطنية والاقتصادية في المقام الأول. لكن، ماذا عن مجموعة البريكس؟ هل هي سراب، جزء من أوهامنا؟ ألا يروا أنَّ سيف الإمبراطورية يقطع شرايين الأغلبية العالمية في جميع النقاط المحورية في العالم؟ هل سيستمرُّون في الهمس، والقول لا تدعوا الوضع يزداد سوءاً فقط، هل سنصمد؟ بصيغة أخرى، يا من تتوقَّعون عالماً بديلاً، تخلَّوا عن كُلّ أمل.
وإلى أن تُقرَّ دول الأغلبية العالمية بأنَّ مركز الفاشية الجديدة قد انتقل من أوروبا إلى أميركا الشمالية، لن تُشكّل تحالفاتٍ حقيقيةً مُناهضةً للفاشية، أو على الأقلّ، تحالفات تقاوم انتشار الوحشية.




