غزة تبحث عن الإنسانية

كتب محمد خليفة, في الخليج:
على الرغم من أن عملية «طوفان الأقصى» قد أعادت قضية فلسطين بقوة إلى المحافل الدولية، بعد أن كادت تموت وتتلاشى، بسبب تلاعب إسرائيل بمسار السلام، ونكثها بالعهود والمواثيق الدولية، واستمرارها في بناء المستوطنات في الضفة ومحاصرة قطاع غزة، فقد أصبحت كل شعوب العالم تتضامن مع الحق الفلسطيني.
لقد كان الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني باهظاً منذ تهجيره عام 1948.
لم تكن إسرائيل على مدار عدوانها الذي تجاوز عقوداً من الزمن تدفع ثمن تجاوزاتها كما تدفعه اليوم، خاصة في ظل الصورة والكلمة التي تتجاوز الزمان والمكان لتبلغ مدى لا تبلغه الدعاية الإسرائيلية، حيث أضحى الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي أعلى صوتاً من قنوات عالمية دجنتها الصهيونية العالمية منذ عقود. حتى أيقنت تلك القنوات أنها فقدت هيبتها وسمعتها الإعلامية، فبدأت تولي الحقائق بعض الاهتمام، وصرنا نسمع أصواتاً كانت قلباً وقالباً مع إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها، باتت هذه الأصوات تدرك اليوم الحقيقة ناصعة، وهي أن ما جرى وما يجري، ليس سوى إبادة جماعية وتطهير عرقي.
لقد حذرت مجلة «إيكونومست» البريطانية من أن قطاع غزة المدمر قد يحتوي على أكبر كمية من القنابل غير المنفجرة في مناطق النزاع حول العالم. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة، فإن كمية الذخائر غير المنفجرة في القطاع تتجاوز 7000 طن، وأن الخطر الأكبر يكمن تحت الركام، حيث أُلقيت بعض القنابل الثقيلة المزودة بفتائل متأخرة للانفجار داخل المباني أو في باطن الأرض. ووفق تقديرات منظمة «هيومانيتي آند إنكلوجن»، فإن التخلص من هذه المخلفات قد يستغرق 30 سنة. ومع ذلك فإن إسرائيل تشن عدوانها على الشعب الفلسطيني في مناطق غزة تحت سمع وبصر الشعوب والدول والأمم المتحدة.
ففي الفترة ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، و5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قُتل ما يقرب من 70,000 فلسطيني في قطاع غزة، وأصيب 170,679 آخرون. وتتفاقم الأوضاع الإنسانية، وتشتد معاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين تُركوا لمصيرهم، مع دخول الشتاء والمطر والبرد، وهم يعيشون في خيام متهالكة والمياه تتسرب داخلها، ولا يجدون طعاماً أو ماء بسبب منع إسرائيل منظمات الإغاثة وعلى رأسها «الأونروا» من العمل في القطاع. وتستمر إسرائيل في نسف المنازل والمباني السكنية بمناطق شمالي القطاع وفي جنوبه، خاصة في رفح. كما تستمر البحرية الإسرائيلية في محاصرة سواحل القطاع لمنع وصول أية مساعدات إغاثية للشعب الفلسطيني المحاصر.
ولا تزال التقارير تُفيد بوقوع انفجارات يومية لمبانٍ سكنية في مناطق متعددة تنتشر فيها القوات الإسرائيلية، وخاصة شرق خان يونس وشرق مدينة غزة. وأصدرت «مجموعة المأوى العالمية» بياناً ذكرت فيه أن ما لا يقل عن 259,000 أسرة فلسطينية، أو أكثر من 1.45 مليون شخص في غزة، يواجهون الشتاء القارس، بما في ذلك المطر والبرد، دون حماية كافية، وأصدر مركز إبداع المعلم تقريراً بعنوان: «الانتهاكات بحق التعليم في فلسطين». أظهر تصنيفاً دقيقاً للأضرار الواسعة التي لحقت بمباني المدارس. فقد قتل أكثر من 5000 طالب و240 معلماً، وتم تعليق العملية التعليمية، بسبب إغلاق 563 مدرسة في قطاع غزة، ما حرم ما يقرب من 620 ألف طالب من حقهم في التعليم. كما أدى النزوح القسري إلى تحويل 288 مدرسة إلى مراكز إيواء للنازحين. وامتد الدمار إلى البنية التحتية والإسكان، حيث دمرت 355 ألف وحدة سكنية تدميراً كاملاً. كذلك تعرض الأكاديميون وطلاب الجامعات لاستهداف مباشر ومتعمد، حيث أدى ذلك إلى مقتل 98 شخصية أكاديمية علمية وفكرية، إضافة إلى ذلك، استهدف الاحتلال الإسرائيلي جميع الجامعات ال12، سواء بتدميرها تماماً أو تحويلها إلى ثكنات عسكرية ومراكز احتجاز وتحقيق. ودمرت 700 بئر للمياه. وكانت المساجد أحد أهم الأهداف التي ركز عليها الاحتلال خلال الحرب، مدينة خان يونس ورفح بلا مسجد واحد قائم.
كأن الموت جوهر هذا الصمت القاتم عما يدور في غزة، حرب تأتي على الأخضر واليابس، مدن تدمرت، أرواح أزهقت، دماء الأطفال البريئة سالت، الخراب وشبح الموت يخيم فوق الجميع، رجال الإسعاف يخرجون الجثث المحروقة والأشلاء الممزقة، أعضاء بشرية مبعثرة، أطراف مقطعة، ومع ذلك فالطائرات الإسرائيلية تصول وتجول تقتل وتنسف المنازل بلا رادع. ونشاهد الأطفال الصغار يبكون من شدة الجوع وأجسادهم هشة. وكتب أحدهم، «لأول مرة لم نعد نتمنى قدوم الشتاء في غزة». وليس أدل على ذلك من كلام جاريد كوشنر الذي زار غزة مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، حيث وصف ما رأى قائلاً: « وكأن قنبلة نووية انفجرت هناك».
السؤال الصعب حول مآل ومصير شعب غزة مع الوضع السلبي بالعجز والضياع، وما يصحب ذلك من موت لضمير الإنسانية.




