غرينلاند وحلم الاستقلال

كتب يونس السيد, في الخليج:
قبل أن يتربع دونالد ترامب على عرش البيت الأبيض، مرة ثانية، مطلع عام 2025، لم يدر بخلد أحد أن تتحول غرينلاند أو «الأرض الخضراء» رغم أن معظم مساحتها مغطاة بالجليد، إلى ساحة صراع أوروبي أمريكي بات يهدد جدياً وحدة التحالف الغربي وانفراط حلف الأطلسي«الناتو».
استهل ترامب فترة ولايته الثانية، بإثارة ضجيج مرتفع حول ضم غرينلاند أو شرائها، وضم كندا والسيطرة على قناة بنما، ومع ذلك فإن الساسة الغربيين حاولوا، آنذاك، تخفيض حدة الضجيج على أمل أن يتلاشى مع الوقت. لكن الضجيج سرعان ما علا مجدداً، بعدما كشرت واشنطن عن أنيابها وذهبت لاختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك وتقديمهما إلى المحاكمة بتهم لم يصدقها حتى أعتى مناوئي مادورو، تلك الشرارة التي أطلقت رصاصة الرحمة على ما يسمى «سيادة الدول» والنظام الدولي القائم، والتي في ظلها اتسع نطاق التهديدات ليشمل كوبا وكولومبيا وحتى المكسيك ودول القارة الأمريكية اللاتينية برمتها قبل أن يرتد مرة أخرى إلى غرينلاند.
لم يكن الأمن القومي الأمريكي، سوى الذريعة للسيطرة على نفط فنزويلا وثرواتها الطبيعية، وإخضاع دول القارة اللاتينية التي لطالما اعتبرتها واشنطن «حديقتها الخلفية»، وكان الهدف واضحاً هو الحصول على مليارات الدولارات تعويضاً عن الدين الأمريكي العام الذي تقول بعض التقارير إنه يبلغ نحو 40 تريليون دولار، وبعدما أخفقت الإدارة الأمريكية في تحقيق هذا الهدف عبر فرض الرسوم الجمركية التي أشعلت حرباً تجارية عالمية.
في غرينلاند، ذات الكنوز الثمينة والموقع الاستراتيجي المهم في القطب الشمالي، تبدو الأمور أكثر غرابة وتعقيداً، إذ رغم وجود قواعد عسكرية أمريكية في الجزيرة، فإنها لا تُعتبر كافية، من وجهة نظر ترامب، لحماية الأمن القومي الأمريكي، وبالتالي فهو يصّر على شرائها أو ضمها بالقوة، حتى لو أدى ذلك إلى انهيار حلف «الناتو». وهذه المرة بذريعة أنه إذا لم تسيطر عليها واشنطن، فان الصين أو روسيا ستفعلان ذلك، ناهيك عن التشكيك بتبعيتها للدانمارك، فهو يرى أن سفينة تحمل بعثة تبشيرية وصلت إلى الجزيرة قبل خمسمائة عام لا تمنحها أحقية ملكيتها.
اللافت وسط كل هذا الضجيج لم تأبه واشنطن لرد الفعل الأوروبي أو المخاطرة بإنهاء حلف «الناتو»، كما لم تأخذ في الاعتبار رأي أهالي الجزيرة (الغرينلانديين) الذين يرفضون بأغلبيتهم الساحقة (85%) أن يصبحوا أمريكيين أو دنماركيين، وأن يستبدلوا الإرث الاستعماري الدانماركي، بآخر أمريكي، ويبدو أن واشنطن لم تستوعب، حتى الآن، لماذا يرفض الغرينلانديون البالغ عددهم 57 ألفاً، كل الإغراءات التي تقدمها لشرائهم بما في ذلك عرض ال100 ألف دولار للشخص الواحد، ويتشبثون بحلمهم في الاستقلال، بعيداً عن الدنمارك والولايات المتحدة، فيما لا يزال الملف مفتوحاً ويدفع نحو المزيد من التصدع في العلاقات الأوروبية- الأمريكية حول مستقبل الجزيرة.




