غرينلاند: زلزال جيوسياسي في الحديقة الأطلسية

كتب محمد الصالحين الهوني في صحيفة العرب.
قضية غرينلاند ليست نزوة سياسية بل جرس إنذار يدق بقوة ومؤشر على أن خرائط النفوذ في العالم يعاد رسمها بفرجار القوة والمصلحة المباشرة لا بمداد التحالفات والقيم القديمة.
عاودت الفكرة الغريبة الظهور مؤخرًا، لكن هذه المرة بنبرة أكثر جدية وإصرارًا: رغبة البيت الأبيض في شراء غرينلاند.
ما بدأ قبل سنوات كتصريح عابر للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحول اليوم إلى مسار فعلٍ دبلوماسي، يتجلى في تأجيل زيارة إلى كوبنهاغن وإطلاق تصريحات لا تخلو من تهديد خافت. لم يعد الأمر مجرد نزوة إعلامية أو تفاوضًا تجاريًا؛ لقد تحول إلى اختبار حقيقي لصلابة التحالفات الغربية التي ظلت لسبعة عقود حجر الزاوية في النظام الدولي. إنه سيناريو يبدو مُستقى من حقبة الاستعمار في القرن التاسع عشر، لكنه يحدث أمام أعيننا في القرن الحادي والعشرين. السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل نحن أمام نزعة أميركية جديدة، تعيد من خلالها واشنطن تعريف سياستها الخارجية برؤية براغماتية متطرفة، تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في مناطق حيوية مثل القطب الشمالي، حتى وإن كان ذلك على حساب حلفائها التقليديين؟
لفهم ثقل هذه الخطوة، يجب الغوص في السياق الجيوسياسي الاستثنائي الذي تحتله غرينلاند. فهذه الجزيرة الهائلة، التي تتمتع بحكم ذاتي تحت التاج الدنماركي، هي ليست مجرد أرض جليدية نائية. إنها بوابة إستراتيجية إلى القطب الشمالي، الذي يتحول بسبب ذوبان الجليد إلى مسرح جديد للمواجهة العالمية. طرق ملاحية جديدة تفتح، واحتياطيات هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة تكشف عن نفسها، وحدود اقتصادية وعسكرية تبدأ بالترسخ. من يسيطر على غرينلاند، يضع قدمه في قلب هذه المعادلة المستقبلية. فكرة شرائها ليست وليدة اللحظة؛ فقد ترددت في أروقة واشنطن منذ عام 1867، بل إن هاري ترومان عرض شراءها عام 1946. عودة هذه الفكرة اليوم، مدعومة بكل ثقل الإدارة الأميركية، تحول المسألة من نزاع ثنائي بين واشنطن وكوبنهاغن إلى قضية أوروبية – أطلسية مصيرية. إنها تمس مباشرة مبادئ السيادة التي قام عليها الاتحاد الأوروبي، واستقرار حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة نفسها.
قضية غرينلاند ليست نزوة سياسية. إنها جرس إنذار يدق بقوة، مؤشر على أن خرائط النفوذ في العالم يعاد رسمها بفرجار القوة والمصلحة المباشرة، لا بمداد التحالفات والقيم القديمة
وهنا تكمن المعضلة الأوروبية العميقة. لقد أربكت تصريحات ترامب المشهد الأوروبي، وكشفت عن شرخ صامت في جدار التحالف. من جهة، يقف مبدأ التضامن الأعلى بين دول الاتحاد، والذي يفرض الوقوف بصلابة إلى جانب الدنمارك، العضو المؤسس والأصيل. أي تراخٍ هنا سيكون سابقة خطيرة، تشجع على تطاولات مماثلة قد تمس سيادة دول أخرى في المستقبل. ولكن من جهة أخرى، تقبع الحسابات الباردة للواقع الجيوسياسي. فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى الدعم الأميركي في ملفات شائكة ومعقدة، من مواجهة روسيا في أوكرانيا إلى إدارة العلاقة مع الصين، مروراً بقضايا الأمن والطاقة. هذا التضارب ولّد ردود فعل أوروبية مشلولة: إدانة خفيفة، وقلقا معلنا، وترددا واضحا في توجيه انتقاد مباشر وحاسم لواشنطن. لقد عبرت بعض الدول، خاصة في الشمال والبلطيق، عن تضامنها مع الدنمارك بسرعة، لكن غياب بيان أوروبي موحد قوي يدين الموقف الأميركي كان لافتاً. إنه صراع بين المبدأ والمصلحة، بين الكرامة والتبعية، تعيشه بروكسل في واحدة من أصعب لحظاتها.
هذه الحادثة ليست معزولة، بل هي جزء من تحول أعمق في الفلسفة الأميركية للسياسة الخارجية. إنها تعكس نهجا جديدا يتعامل مع الجغرافيا السياسية بلغة صفقات الأعمال، حيث تُقاس القيمة بالمكاسب المادية والعسكرية المباشرة، وتُهمش اعتبارات التحالف التاريخي والولاء الأيديولوجي. نرى هذا النهج في فنزويلا، حيث تُفرض العقوبات بغض النظر عن تأثيرها على حلفاء أميركا اللاتينيين، وفي أوكرانيا، حيث تُربط المساعدات بمصالح سياسية داخلية. لقد باتت واشنطن تتعامل مع أوروبا ببراغماتية خشنة، تكسر المسلّمات الرومانسية التي حكمت العلاقة عبر الأطلسي منذ الحرب العالمية الثانية. “أميركا أولا” ليست مجرد شعار، بل هي إطار عمل يُخضع كل العلاقات، حتى مع أقدم الحلفاء، لمعيار ضيق: ما العائد الملموس لواشنطن؟ في هذه المعادلة، تتحول غرينلاند من شريك في تحالف إلى أصل إستراتيجي يمكن التفاوض على شرائه.
الرسالة الأساسية التي يجب على أوروبا استيعابها هي أن العالم يتغير بسرعة، وأن الاعتماد على حليف متقلب أصبح رهانا خطرا
ما يحدث الآن هو اختبار وجودي لأوروبا. الاختيار مرير: إما الدفاع عن المبادئ التي تأسس عليها الاتحاد، وهي السيادة والاستقلال وكرامة الدول الصغيرة، وإما التكيف مع عالم جديد قاسٍ، تقوده قوى عظمى تتعامل بمنطق القوة الصرف. إن صمت بروكسل النسبي، أو ردها الضعيف، سيرسل رسالة مدوية إلى موسكو وبكين وطهران، مفادها أن المظلة الأوروبية لحماية الأعضاء هشة عندما يكون المعتدي هو الحامي نفسه.
السؤال الجوهري هو: هل تمتلك أوروبا الإرادة الجماعية والقدرة الإستراتيجية لتقليل اعتمادها الأحادي على واشنطن؟ هل تستطيع بناء دفاعها المشترك وتعزيز سيادتها الاقتصادية والتكنولوجية لتكون شريكا لا تابعا أم أن غرينلاند ستبقى رمزا صارخا لعجز أوروبا عن حماية نفسها، وحاجتها الدائمة إلى من يقرر عنها، حتى لو كان ذلك بقسوة؟
قضية غرينلاند ليست نزوة سياسية. إنها جرس إنذار يدق بقوة، مؤشر على أن خرائط النفوذ في العالم يعاد رسمها بفرجار القوة والمصلحة المباشرة، لا بمداد التحالفات والقيم القديمة. إنها تكشف أن التحالف الأطلسي، ذلك الصرح الذي ظل يُقدس لعقود، يمر بأزمة هوية عميقة قد تكون بداية تفككه البطيء، أو على أفضل تقدير، اختبارا قاسيا لإعادة تعريفه.
الرسالة الأساسية التي يجب على أوروبا استيعابها هي أن العالم يتغير بسرعة، وأن الاعتماد على حليف متقلب أصبح رهانا خطرا. السؤال المصيري الذي تواجهه القارة العجوز هو: هل تستطيع أن تجد توازنا جديدا بين الدفاع عن سيادتها وحاجتها الأمنية، أم أن جزيرة غرينلاند البعيدة ستكون الشاهد الأبدي على حدود استقلالها الإستراتيجي، وبداية فصل جديد من فصول التبعية في عالم لا يرحم الضعفاء؟




